1208

فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم

بل قيل إن الآيات الثلاث إلى { يترددون } منسوخات به، وهو إلى ما يتأتى على قول قتادة أن آية النور نزلت بعد هذه، ورد بأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة فى غزوة الخندق، فى استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل هو عمر.

[9.44]

{ لا يستأذنك } نفى للاستمرار أو استمرار للنفى { الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } فى { أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } الاستئذان إرادة جهاد، والاستئذان إرادة تخلف عن الجهاد، بل عادتهم أنهم يمضون فيه بإذنى، أمر أو تلويح به بما استطاعوا، أو لا يستأذنونك فى التخلف كراهة أن يجاهدوا أو لا يستأذنونك كراهة أن يجاهدوا، بل إذا استأذنوك فلعذر، والأول هو قول سيبويه وهو أصح، بل كان المخلص من المهاجرين والأنصار يقولون ألا نستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا، ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا. { والله عليم بالمتقين } شهادة لهم بالتقوى، ووعد بالثواب الجزيل من حيث إن مقتضى علمه يعمل هو الثواب أو العقاب، ويتضمن تغييرا للمنافقين وطعنا عليهم، والمراد بالاتقاء اتقاء المخالفة بأمر الله.

[9.45]

{ إنما يستأذنك } فى التخلف { الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } خص الإيمان بالله واليوم الآخر فى الآيتين فى الذكر، إشعارا لأن الباعث على الجهاد الإيمان بهما، والكاف عنه عدم الإيمان بهما { وارتابت } شكت قلوبهم فى أمر الإيمان، تارة يتخيل لهم صحة أمر النبى صلى الله عليه وسلم، وتارة يتخيل أنه غير صحيح، والعطف على لا يؤمنون، وقيل كانوا موقنين، ولكن شكوا أن لا يعذبهم الله بالتخلف عنه وهو ضعيف لقوله سبحانه وتعالى { لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } اللهم إلا أن يقال شكهم فى ذلك ناقض لإيمانهم، أو أراد نفى الإيمان الكامل { فهم فى ريبهم يترددون } يتحيرون.

[9.46]

{ ولو أرادوا الخروج } معك إلى الغزو، ويكتب { ولو أرادوا } إلى { القاعدين } بالآبق والهارب والسارق فى قضارة ثوب كتان مقصورة أول الشهر، واسمه مع أمه حول ذلك، ويضرب فى وفق القوارة بمسمار حديد، حيث لا يرى، ويغطيها بتراب، يرجع. { لأعدوا } هيئوا { له } للخروج { عدة } أهبة من آلات السفر والقتال، وقرىء بكسر العين كسدرة، وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية عده، بضم العين وبهاء الإضمار دون تاء التأنيث، والهاء ضمير الخروج، فقال الفراء، الأصل عدته، حذفت التاء إذ أضيف، كما يجوز حذف تاء الفعلة بكسر فإسكان من واوى الفاء الذى من باب وعد، وتاء الأفعال والاستفعال بالكسر من معد العين كالإقامة والاستعاذة عند الإضافة، وضعفه أبو الفتح بأنه إنما حذف تاء التأنيث، وعوضها هاء الضمير. قلت هذا مراد الفراء وكلامه قابل له، فكيف يرد به عليه، وقال أبو حاتم جمع عدة كغرفة وغرف وبرة وبر ودرة ودر، وقرأ عاصم فيما روى عنه إبان وزرر حبيش بكسر العين وهاء إضمار وهو أمام جمع عدة بالكسر ككلمة وكلم، بكسر الكاف وإسكان اللام فيهما، إما مفرد حذفت تاؤه، وإما بمعنى ما يعد كالذبح بكسر الذال بمعنى ما يذبح. { ولكن كره الله انبعاثهم } خروجهم إلى الغزو، لأنهم يكونون عيونا على المؤمنين وينمون بينهم، والاستدراك راجع إلى النفى الذى دلت عليه لو الامتناعية، فإن الامتناع نفى كأنه قيل ما أرادوا الخروج، ونفى إرادة الخروج نفى للخروج، فكأنه قيل ما خرجوا، ولكن منعهم عن الخروج كما قال. { فثبطهم } أى حبسهم بالجبن والكسل، فإن كراهة الله خروجهم تستلزم منعهم عنه إذ لا يغلب تعالى على ما يكره، وقال الصفاقصى أصل لكن أن تقع بين نقيضين أو ضدين أو خلافين على خلاف فيه { وقيل } أى قال الله عز وجل { اقعدوا } عن الخروج مع { القاعدين } النساء والصبيان والزمنى ونحوهم من المعذورين، ولا يخفى ما فى إلحاقهم بهؤلاء من الذم، وإن أريد بالقاعدين من قعد سواهم وليس معذورا أيضا ففيه ذم أيضا وتهديد، كأنه قيل اقعدوا مع هؤلاء البطالين الذين لا يعرفون مصالحهم، ولا منفعة فيهم أولى لهم فأولى. ومعنى قول الله سبحانه { اقعدوا } إلقاؤه محبة القعود فى قلوبهم إلقاء مترتبا على أعمالهم واعتقادهم، لا جبرا أو قضاءه عليهم فى الأزل بالقعود، وقيل القائل لهم إبليس والعياذ بالله منه، والقول وسوسته، وقيل قال بعضهم لبعض اقعدوا، وقيل المراد إذن رسول الله لهم بالقعود، قال بعضهم أذن لهم غضبا فاغتنموه منه، والعطف على ثبط المسبب عن الكراهة، فالمعطوف أيضا مسبب كأنه قيل لكراهته أو قضائه ألقى محبة القعود فيهم، أو أخذ لهم فأثرت فيهم وسوسة إبليس، أو أثر قول بعضهم لبعض، أو يسر قول الرسول لهم اقعدوا، ويجوز أيضا كون الواو للحال إذا فسر القول بالقضاء.

[9.47]

{ لو خرجوا فيكم } فى جملتكم أو معكم حال من الواو { ما زادوكم إلا خبالا } أى فسادا وشراكا إيقاع الجبن، وتهويل الأمر، وأصل الخبال مرض يؤثر فى العقل كالجنون، والاستثناء متصل، أى ما زادوكم شيئا إلا الخبال، والخبال من جنس الشىء لا منفصل، لأن الاستثناء المنفصل لا يكون مفرغا كذا حفظنا فى كتب النحو وهو الصحيح، ثم رأيت القاضى ذكره أخذا من كلام جار الله. وقال بعض إنه منفصل أى ما زادكم خيرا أو قوة ولا شدة، لكن خبالا، وذكر بعضهم أن فى تلك الغزوة منافقين كثيرين، ولهم خبال، ولو خرج الباقون ازدادوا خبالا، والاستثناء أيضا متصل، لأن الشىء المقدر على أنه لا منافق فيهم فى تلك الغزوة كالمقدر، على أن فيهم منافقين عام اللغط، وقرأ ابن أبى عبلة ما زادكم بإسقاط الواو وفتح الدال، أى ما زادكم خروجهم. { ولأوضعوا } أسرعوا ركائبهم بالنميمة والهزيمة، والأحاديث الكاذبة، وحذف المفعول لأن الغرض الإخبار بإيقاع نحو النميمة بسرعة، لا كونها بركائب، واللام هى الواقعة فى جواب لو، وإنما وقعت هنا لأنه معطوف على جوابها، ولم يقرن جوابها لأن الأفصح أن لا يقرن بها إذا تصدر بما النافية، ويوجد فى المصاحف لا أوضعوا بزيادة ألف مع اللام قبل الهمزة، ووجهها أن الفتحة كانت قبل الخط العربى تكتب ألفا، والخط العربى اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقى من ذلك الألف أثر فى الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحها ألفا أخرى ونحوه أو لأذبحنه. قال جار الله قلت لا نسلم أنه مخترع قريبا من نزول القرآن قبل ذلك، لخشونة هجاء الأولين، قال الزجاج إنما وقعوا فى ذلك، لأن الفتحة بالعبرانية، وكثير أمر الألسن تكتب ألفا، ويمكن أن يمطل حركة اللام فتحدث ألف. قال أبو بكر بن عبد الغنى المشتهر باللبيب فى شرح عقيدة الشاطبية، قال أبو داود رسموا " لا إلى الله تحشرون " فى آل عمران، " ولا إلى الجحيم فى الصافات " " ولا أوضعوا " فى التوبة، " ولا أذبحنه " فى النمل بالألف إلا عطاء بن يسار فإنه لم يكتب الألف فى التوبة، فعلى قول أصحاب المصاحف أن المزيد هو المنفصل عن اللام، والهمزة هى المتصلة باللام، فقيل هى صورة لفتحة الهمزة من حيث إن الفتحة مأخوذة منها وإن الإعراب قد يكون بهما، وقيل إنها نفس الحركة لا صورة لها، ولم تكن العرب تشكل ولا تنقط، وكانوا يصورون الفتحة ألفا، والكسرة ياء، والضمة واوا إذا أرادوا البيان، ويفرقون بزيادة حروف كواو عمرو جرا ورفعا، فارقة بينه وبين عمرو، واو أولى الفارقة بينه وبين ألى، وياء أيدى الفارقة بين القوة وأيدى الأبدان، والألف فى مائة فرقا بينها وبين مئة، وبقيت أشياء لم تغير عن تلك القاعدة.

صفحة غير معروفة