{ وأيده } قوى رسوله { بجنود } من الملائكة { لم تروها } أنزلها عليه لتحرسه فى الغار، تصرف وجوه الكفار من الغار، أو عن رؤيته، وليلقى الرعب فى قلوب الكفار حتى يرجعوا، وليعينوه على العدو ويوم بدر والأحزاب وحنين، فالعطف على { نصره الله } ويجوز على { أنزل الله سكينته عليه } أى على رسوله، ويضعف هذا إذا رجع الضمير لأبى بكر، والخطاب للناس أو للمؤمنين أو للمعاتبين، وهو أولى، وفى مصحف حفصة فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما، وقرأ مجاهد وأيده بهمزة فألف وتخفيف الياء بوزن أفعل. { وجعل كلمة الذين كفروا } وهى كلمة الشرك أو الدعاء إلى الكفر، وقيل كيدهم بالقتل { السفلى } بإدحارها ودحضها، وذلك حصر لتعريف الطرفين وهما كلمة والسفلى، فإنهما مفعولا جعل، وأصلهما مبتدأ وخبر، كأنه قيل ما جعل كلمة سفلى إلا كلمة الذين كفروا، وهذا كالنص فى أن كلمة الإسلام عليا، وصرح بذلك مع قصر العلو عليه فى قوله { وكلمة الله } أى التوحيد، وقيل الدعاء إلى الإسلام، وقيل الشرع كله، وقيل وعده بالنصر، وقرأ الحسن، ويعقوب بنصب كلمة عطفا على معمول عامل، ويناسبهما، قال الأعمش من أنه رأى فى مصحف أنس بن مالك، المنسوب إلى أبى بن كعب وجعل كلمته هى العليا، والرفع أولى وأبلغ لإشعاره بأن كلمة الله عاليه فى نفسه بدون أن تكون أسفل، ثم صيرت أعلى، فإنه ولو فاق غيرها فلا ثبات لتفوقه، ولا اعتبار، ولكونه أولى وأبلغ، عقب ذلك بضمير الفصل وهو قوله { هى } وهو ضمير لا محل له، أو حرف وهو ضعيف وما بعده خبر كلمة أو مبتدأ خبره ما بعده، والجملة خبر كلمة وعلى النصب، وهو ضمير لا محل له، أو حرف وما بعده مفعول ثان، أو مبتدأ خبره ما بعده والجملة مفعول ثان { العليا } فى ذاتها، وينصر الله لها وإظهارها، ونصر رسوله حيث حضر، وحفظه وتأييده بالملائكة، وبتخليصه من أيدى الكفار إلى المدينة إذ هاجر، والحكمة فى هجرته إلى المدينة، وإقامته بها حتى مات أن تتشرف به المدينة كما تشرفت بإبراهيم وإسماعيل، فلا يتوهم أن شرفه بمكة، وقد أجمعوا على أن أفضل البقاع قبره، ويليه على الصحيح الكعبة، والمسجد الحرام، وخرج بعد بيعة العقبة بنحو ثلاثة أشهر، وقيل أول ربيع الأول بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يوما، وقدم المدينة لاثنى عشرة خلت من ربيع الأول، وقد خرج يوم الخميس عند بعض، وتواترت الأخبار أنه خرج يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ويجمع بأنه خرج من مكة يوم الخميس، ومن الغار يوم الاثنين أقام فيه ثلاث ليال، وخرج صبيحة الثالثة فقيل فى أثنائها
" قالت عائشة رضى الله عنها بينا نحن جلوس فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة، وهو أول الزوال، إذا قال قائل لأبى بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر فدى له أبى وأمى، والله ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن له فدخل، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى بكر " أخرج من عندك " فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبى أنت يا رسول الله، وذلك أنه قد زوجه عائشة رضى الله عنها قبل ذلك، وكان معها غيرها مثل أمها، قال صلى الله عليه وسلم " إنه قد أذن لى فى الخروج " قال أبو بكر الصحبة بأبى أنت وأمى يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم " قال أبو بكر فخذ بأبى أنت يا رسول الله إحدى راحلتى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن "
لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله، ويكمل فضل الهجرة، وتكون على أتم الأحوال. قالت عائشة فجهزناهما أحب الجهاز، وصنعنا لهما سفرة فى جراب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله تعالى عنه بغار ثور، ومكثا فيه ثلاث ليال وهو المشهور، وقيل بضعة عشر يوما،
" ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خروجه على موضع عند باب الخياطين يسمى الحزورة بوزن قسورة لا بالتشديد كما قيل، نظر إلى البيت وقال " والله إنك لأحب أرض الله إلى وإنك لأحب أرض الله إلى الله " "
مخاطبا لمكة وهو من أصح ما يحتج به فى تفضيل مكة على المدينة، ولم يعلم بخروجه إلا أبو بكر وآله وعلى.
وروى أنهما خرجا من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته ليلا، ولما فقدت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم، طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب نحو ثور أثره هنالك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع به لما انتهى إلى ثور، وقيل اتبعه أيضا فى الجبل حتى بلغ فم الغار، وقال هو فى الغار، فكذبوه البيضتين والحمامتين والنسج، وقيل لما وصل الغار قال من هنا طلع إلى السماء، وشق على قريش خروجه، وجزعوا، وجعلوا مائة ناقة لمن رده، ولما دخل الغار أنبت الله على بابه راءة وهي من شجر السهل، فحجبت عن الغار أعين الكفار، وقيل هى أم غيلان، وعن أبى حنيفة تكون كقامة الإنسان، زهرها أبيض يحشى به المخاد، فيكون كالريش لخفته ولينه، لأنه كالقطن. ويروى أن الله سبحانه أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين باضتا فيه وعششتا، ووقفتا بفمه، وقيل وقفت بفمه يمامة، وذلك مما صد المشركين عن الغار، قيل حمام الحرم من نسل الحمامتين. أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم، فجعل بعضهم ينظر فى الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا به مالك؟ قال رأيت حمامتين وحشيتين، فعرفت أنه ليس فيه أحد، وقال الآخر ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف وما إربكم إلى الغار، إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد، وقالوا لو دخل الغار لتكسر البيض، وتفسخ نسج العنكبوت.
" وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال " اللهم أعم أبصارهم " فعميت عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار "
، وروى
" أن أبا بكر قال يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ظنك باثنين الله ثالثهما "
" وروى أن أبا بكر قال نظرت إلى قدمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار وقد تقطرتا دما، فبكيت بكاء شديدا وعلمت أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعود الحفاء والجفوة "
صفحة غير معروفة