1182

{ أم } منقطعة بمعنى همزة الإنكار والتوبيخ، وبل التى للإضراب الانتقالى { حسبتم } ظننتم أيها المؤمنون، وكان بعضهم قد كره القتال { أن تتركوا } غير ممتحنين بالقتال، فالحال محذوفة كما رأيت، أو هذا الحذف مفعول ثان للترك وقوله { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } مستأنف أو هو الحال، والمراد بنفى علم الله المجاهدين من المؤمنين نفى المجاهدين الموصوفين بما بعد هذا، تعبيرا باللازم عن الملزوم، فإن وجود المجاهدين ملزوم، ولازمه علم الله، فإذا وجدوا فالله عالم بهم، ولا بد أن تتركوا ساد مسد مفعولى حسب عند سيبويه، وقيل مفعوله الثانى محذوف، أى أم حسبتم الترك محمد موجودا أو واقعا أو نحو ذلك، ولما لنفى ما يتوقع ثبوته. { ولم يتخذوا } عطف على جاهدوا { من } { دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } دخيلة وبطانة من المشركين يلونهم، ويفشون إليهم الأسرار، قال به الفراء وهو الحق، وقال قتادة الوليجة الخيانة، وقال الضحاك الخديعة، وقال عطاء أولياء وقيل الرجل فى القوم وليس منهم، وقال الراغب ما يعتمد عليه، فالمراد نفى المجاهدين المخلصين من قوم مخصوصين. وقال الزجاج المراد نفى العلم الذى يجازى على معلومه، ويستفاد من كون منفى لما متوقعا أنه سيوجد المجاهدون المخلصون عن اتخاذ الوليجة فيمن لم يوجدوا فيه، أو سيكثرون، وقيل معنى لما يعلم لما تميز أى لما تفعل ما يتميزون به { والله خبير بما تعملون } من اتخاذ الوليجة وغيره، كوجود الإخلاص، وقرأ الحسن ويعقوب فى رواية رويس وسلام يعلمون بالتحية، وعن بعضهم الآية فى المنافقين وهو واضح.

[9.17]

{ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } أى ما جاز لهم وما استقام أن يعمروا المساجد التى بنيت لطاعة الله وتوحيده، وكم مسجد عمروه قديما وحديثا تغلبا على أهله وظلما، والمراد بعمارتها دخولها والقعود فيها، والتعبد فيها ، ويمنع المشرك من دخول المسجد، فإن دخله بغير إذن الموحد عزر، وقيل إن دخله واستقبل القبلة أمسك حتى يسلم وهو ضعيف، لأنه إكراه على الدين. ويجوز للإمام ومن قام مقامه فى الإسلام، أن يدخل المشرك مسجدا غير المسجد الحرام لأمر مهم، والأولى صونه عن المشرك، وقد شد صلى الله عليه وسلم تمامة بن أتال وهو كافر إلى سارية فى المسجد، وقيل المراد بعمارتها بناؤها والبناء فيها، فلو أوصى ببناء مسجد أو بالبناء فيه لم تقبل وصيته، وزعم بعضهم أن المراد بالمساجد المسجد الحرام، والجمع للتعظيم، أو لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن كل موضع منه موضع للسجود، قيل، ويدل عليه قراءة ابن كثير، وأبى عمرو، ويعقوب مسجدا لله بالإفراد، وليس كذلك، لجواز أن يقال المراد الجنس، وليست الإضافة مانعة من ذلك. { شاهدين } حال من الواو أو من المشركين { على أنفسهم بالكفر } المراد بشهادتهم على أنفسهم به إظهاره، كتصريحهم بتكذيب القرآن، ورسول الله، والسجود للأصنام، وكانوا إذ طافوا طوفة سجدوا للأصنام سجدة إذا بلغوها، وكانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك تملكه وما ملك وغير ذلك، كطوافهم عراة، فإنه علامة الشرك، فكأنه شهادة به، فإن الله سبحانه قد أوجب ستر العورة، وعن ابن عباس شهادتهم به سجودهم للأصنام فى الطواف، وروى الطبرى، عن السدى أنها نسبتهم أنفسهم إلى مللهم، اليهودى يقول إنه يهودى، والنصرانى يقول إنه نصرانى، وهكذا قيل وهو ضعيف. { أولئك حبطت أعمالهم } بطلت أعمالهم التى يعتقدون أنهم محسنون بها، فلا يجازون عليها لأنه لا عبادة مع الشرك { وفى النار هم خالدون } إذا ماتوا على الشرك، فإن الكبيرة مخلدة مطلقا، فكيف بأعظم الكبائر، روى أنه لم أسر رؤساء قريش وغيرهم من قريش يوم بدر، عيرهم المهاجرون والأنصار بالشرك، وطفق على يوبخ عمه العباس، وكان من الأسرى، بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطيعة الرحم، والشرك، وأغلظ له فى القول، فقال العباس ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، فقال أولكم محاسن؟ قال نعم، ونحن أفضل منكم أجرا، نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقى الحجيج، ونفك العانى يعنى الأسير، فنزل ما كان للمشركين الآية.

[9.18]

{ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } يوم البعث { وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله } فى باب الدين بأن لا يترك أمر الله خشية الناس، لا كمن يترك أمر الله خشية للناس، ولا كهؤلاء الذين يخشون الأصنام ويخافون عقابها، وأما الخشية عن المحاذير فطبيعة لا ينفك عنها عاقل، ولم يذكر الإيمان بالرسول، لأن الإيمان بالصلاة المخصوصة وهى الخمس وبالزكاة، يتضمن الإيمان به، لأنه الجائى بهما، ولأن الآية مسوقة فى الرد على من لم يؤمن به، ولأن الإيمان بالله واليوم الآخر إذا كان إجابة لدعائه صلى الله عليه وسلم إيمان به إنما تستقيم عمارتها من أجمع ذلك وهو المثاب على العمارة. وأما من أنكر البعث، فكيف يرجو ثوابا بعمارة، وإن رجاه فى الدنيا، فليست المساجد مجعولة لمجرد طلب الدنيا، ومن أنكر الرسول، أو لم يقم الصلاة، أو لم يؤت الزكاة فإيمانه بالبعث لم يكن من جهة يثاب عليها، قيل عمارة المسجد نافلة، والزكاة واجبة، فمن عمر المسجد على الحقيقة لزم أن يكون مؤديا للزكاة، إذ لا يشتغل بنفل مع تضييع الفرض، ومن عمارته قراءة القرآن فيه، والتسبيح، والتهليل، والصلاة، والقعود فيه بنية الأجر، أو بنية انتظار عبادة كصلاة إمام، وقراءة القرآن، ومنها درس العلم فيه، وإقراءه وقراءته، بل العلم أجل الذكر، ومنها صيانته عما لم يبن له كحديث الدنيا، والبيع والشراء. وروى أن الكلام فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش، ومن ألف المساجد ألفه الله، ومنها تنويره بالمصباح، وتستغفر الملائكة وحملة العرش لصاحبه ما دام وضوءه، ومنها تنظيفه وإخراج ما لا يصلح فيه، وإصلاحه وتفريشه، وعبارة القاضى تزيين المساجد بالفرش، وفى أحكام المسجد وعمارته وفضله كلام فى النيل وشرحه، ولم يقرأ أحد من القراء العشرة فى هذا الموضع مسجد الله بالإفراد فى الأشهر، وقال حماد بن أبى سلمة إن ابن كثير قرأ بالإفراد فى الموضعين، وهو قراءة الجحدرى فيهما. ويجوز أن يراد فى حال الإفراد المسجد الحرام، ويحكم على غيره بحكمه، وذكر بعضهم فى قراءة من قرأ الأول بإفراد، والثانى بالجمع، أنه ذكر أولا المسجد الذى فيه النازلة فى ذلك الوقت وهو المسجد الحرام، ثم عمت المساجد ثانيا، ويجوز أن يراد بالمساجد جنس المساجد، وبالمساجد كذلك غير المسجد الحرام، فيرمز الكلام إلى أنه إذا لم يصالح المشركون لعمارة المساجد غير المسجد الحرام فكيف يصلحون لعمارة المسجد الحرام، وهذا أبلغ من حيث إنه أشد ابعادا لهم عن المسجد الحرام حفظه الله. { فعسى } ترجية وعبارة جملة ممن يتفقه أن عسى ولعل من الله واجبة، يعنى جزما { أولئك أن يكونوا من المهتدين } الناجين من العذاب وما يسوءهم، فإذا كان أولئك فى رجاء الاهتداء لا فى الجزم به مع كمالهم، فما ظنك بأضدادهم المشركين، وهذا قطع لأطماع المشركين فى الانتفاع بأعمالهم، ومنع للمؤمنين أن يتكلموا على أعمالهم، وعن الاغترار بالله، قيل وفيه ترجيح للخشية على الرجاء.

والجمع هنا نظر إلى معنى من، والإفراد هناك نظر إلى لفظه، وقيل إن المراد فى قوله { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله } الخ، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لذلك لم يذكر الإيمان به، وأنه نزل جوابا لقولهم إنما يدعى محمد النبوة طلبا للرياسة والملك، وردا عليهم، بأن غرضه طاعة الله وتوحيده، فلذلك يعمر المساجد سرا وجهرا، سواء حمد الناس ذلك منه أو كرهوه، فالمساجد مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد قباء وغير ذلك مما يعمره إن كان، أو مما يمكن أن يعمره، أو مما يأمر بعمارته، فالأمر بالعمارة عمارة ممن صدقت نيته، وعلى هذا القول فالجمع فى قوله { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } مراد به من اقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم، وهو قول ضعيف.

[9.19]

{ أجعلتم سقاية الحاج } السقاية مصدر كالوقاية بمعنى السقى، والحاج جنس الحجيج، وإنما لم تقلب الياء همزة مع أنها بعد ألف زائدة فى الآخر، لأن التاء فى هذه الكلمة ليست فى نية الانفصال، لأن الكلمة بنيت عليها كما قال أبو الفتح، قال المرادى فلو كانت هاء التأنيث غير عارضة امتنع الإبدال نحو هداية وسقاية، وحكم الواو فى فى ذلك حكم الياء، لكن رجح أنه حيث وقع الإبدال فإنما أبدلت الواو والياء ألفين، ثم قلبت الألف همزة لئلا تجمع مع الألف قبلها. { وعمارة } مصدر عمر { المسجد الحرام } ليس ذكره كما قد يقال موجبا لأن يراد بالمسجد فيما مر المسجد الحرام، لأن هذا كلام مستقل فى خصوص المسجد الحرام { كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله } السقاية والعمارة حدثان فلا يشبهان بالجثة، فيقدر مضاف أول الكلام، ليكون الكلام من أول الأمر مبنيا على المراد، أى أجعلتم ذا سقاية الحاج وعمارة الخ أو أهل سقاية إلى آخر. أو يؤول المصدران باسم الفاعل، أى جعلتهم ساقى الحاج وعامر المسجد الحرام، أو يقدر المضاف آخرا، لأن الآخر نسب بالتغيير، أى اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كفعل من آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد فى سبيل الله وفعله هو الإيمان، وهو فعل قلبى والجهاد، ويؤيد التأويل باسم الفاعل قراءة ابن الزبير، وأبى وجزة السعدى، ومحمد بن على، وأبى جعفر سقاة الحاج كقضاة، وعمرة المسجد الحرام كطالب وطلبة بفتحات، وكذا قرأ ابن جبير، غير أنه نصب المسجد الحرام على إرادة تنوين عمرة وقرائته من حيث حذف التنوين للساكن تخفيفا شاذة، والأولى له إثباته مكسورا، وقرأ الضحاك سقاية الحاج وعمرة الخ بضم السين وإثبات الياء جمع ساق شاذا وفتح العين والميم جمع عامر مثل ما مر، ورويت هذه القراءة عن أبى وجزة، وأبى جعفر أيضا ولا تحتاج هذه القراآت إلى تأويل ولا تقدير. قيل إن كفار قريش قالوا لليهود إنا نسقى الحجيج ونعمر البيت، أفنحن أفضل أم محمد ودينه؟ فقالت لهم أحبار اليهود بل أنتم، فنزلت الآية، وذكر الطبرى وغيره عن النعمان بن بشير أنه قال كنت عند منبر النبى صلى الله عليه وسلم فى نفر من أصحابه يوم الجمعة، فقال أحدهم ما أتمنى بعد الإسلام إلا أن أكون ساقى الحاج، وقال آخر لا أتمنى بعده إلا أن أكون خادم البيت وعامره، وقال الثالث لا أتمنى بعده إلا أن أكون مجاهدا فى سبيل الله، ورفعوا أصواتهم، فقال عمر رضى الله عنه لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبى صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فأستفتيه فيما اختلفتم، ودخل واستفتاه ونزلت الآية مفضلة لمن جمع بين الإيمان والجهاد، على من جمع بين الإيمان وغيره مما ذكر.

وقال ابن عباس، والضحاك إن المسلمين عيروا أسرى بدر بالكفر، فقال العباس بل نحن سقاة الحاج وعمرة البيت، وفى رواية عن ابن عباس إن العباس قال يوم أسر لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقى الحاج فنزلت الآية مخبرة كيف يلتحق سقى الحاج وعمارة المسجد بالإيمان والجهاد، ولا سيما أنه لا ينفع عمل مع شرك. وقال محمد بن كعب القرظى، زاد بعضهم الحسن، والشعبى أن العباس، وعليا، وطلحة بن شيبة، وقيل بدله عثمان بن طلحة، وقيل شيبة بن طلحة، تفاخروا فقال العباس أنا صاحب السقاية والقيام عليها، وقال طلحة، أو عثمان أو شيبة أنا صاحب البيت وعامره ومفتاحه بيدى، ولو شئت بت فيه، وقال على ما أدرى ما تقولون كأنه استحقار لذلك، لكونه مقرونا بالشرك، لكنى صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وآمنت قديما، وهاجرت، وجاهدت الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية تفضيلا لعلى فيما قالوا، فإن صح فلا دليل فيه على أنه ولى، وأنه متولى، لأن المقصود تفضيل الفعل على الفعل، ولو تعلق التفضيل بالذات.

" ولما نزلت الآية قال العباس رضى الله عنه أما أرانى إلا أترك السقاية، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم " أقيموا عليها فهى لكم خير " "

صفحة غير معروفة