{ فانتقمنا منهم } أى أردنا الانتقام منهم، { فأغرقناهم } وإنما أولت الانتقام بإرادته لأنه بالإغراق، ويجوز أن يترك على حاله، فالفاء بعده لتفصيل مجمل، وقد ذكر النحاة مثل هذا { فى اليم } البحر بحر القلزم، وقيل بحر النيل، وعن بعضهم اليم البحر الذى لا يدرك قعره، وقيل اليم لجة البحر، ومعظم مائه وهو من التيمم بمعنى القصد، فإن المستنفعين به يقصدونه، وزعم بعض أن قوله تعالى
فاقذفيه فى اليم
يدل على أن اليم هنا بحر النيل ومعظم مائه. { بأنهم كذبوا } التاء للسببية { بآياتنا وكانوا } عطف على كذبوا، أى بتكذيبهم بآياتنا، وكونهم { عنها } أى عن آياتنا { غافلين } معرضين غير متفكرين فيها، كمن غفل عن شىء ولم يحضر فى قلبه، أكان أم لا، وإلا فالغفلة من الأمور الضرورية، ليست باكتساب، فضلا عن أن يكون سببا للإهلاك، وادعى بعضهم أن الضمير فى عنها للنقمة لمدلول عليها بانتقمنا.
[7.137]
{ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } يطلب ضعفهم ويسعى فيه باستبعادهم، وقتل أبنائهم، فالسين المطلب على أصلها، ويبالغون فى تضعيفهم، فالسين للتأكيد وهم بنو إسرائيل { مشارق } مفعول ثان لأورثنا { الأرض ومغاربها التى } نعت مشارق ومغارب، وقال الفراء مشارق ومغارب ظرفان ليستضعفون، والتى مفعول ثان لأورثنا وهو ضعيف { باركنا فيها } وهى أرض الشام ومصر، ومشارقها ومغاربها نواحيها، ملكوها بعد فرعون والعمالقة. وقال الحسن وقتادة أرض الشام وهو أولى للوصف بالبركة، فإنها مبارك فيها بالخصب وسعة الرزق، وبالأنبياء الكثيرة، وقيل أرض مصر وعزاه النقاش للحسن، وقالت فرقة يريد الأرض كلها تجوزا لأنه ملكهم بلادا كثيرة، أو حقيقة لأنه ملك سليمان الأرض كلها وهو منهم، والظاهر غيره، لأن لفظ الآية يعطى أنك ملك المستضعفين لا من يأتى بعدهم، وعلى كل قول من هذه الأقوال، فالمراد بالمشارق والمغارب التعميم لا أرض مخصوصة، أو للأرض كلها لا شرقها وغربها فقط، تقول ملكت مشرق هذا الجنان ومغربه، تريد أنك ملكته كله بما ردت الجهتان، وقال الكلبى أراد بالأرض الشام، وبمشارقها فلسطين، ومغاربها الأردن، وأنهم ملكوهما فقط. { وتمت } وقعت { كلمة ربك الحسنى } هى ما قضى به فى علمه ووعده من النصر والظفر، كذا يظهر لى، ثم رأيته لمجاهد، وقيل الوعد بالجنة، وقال المهدوى ونريد أن نمن على الذين استضعفوا الخ، وقيل عسى ربكم أن يهلك عدوكم الآية، وفى رواية عن أبى عمرو كلمات بالجمع لتعدد المواعيد، وكذا قرأ عاصم، والحسنى مؤنث الأحسن فهو دال على التفضيل، كما يدل عليه الأحسن { على بنى إسرائيل } عبر بعلى دلالة على أن تلك الكلمة غمرتهم وغطتهم نعمتها { بما صبروا } ما مصدرية، أى بصبرهم على أذى فرعون وقومه، وقيل على دين الله. وفى الآية حث على الصبر، ولا أجلب للفرج منه، قال الحسن البصرى إذا قابل الناس البلاء بمثله، وكلهم الله إليه، وإذا قابلوه بالصبر وانتظار الفرج، أتى الله بالفرج وقال أيضا عجبت ممن خف أى طاش جزعا كيف خف، وقد سمع قول الله تعالى { وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا }. وقال أيضا إن الآية دليل على أنه ينبغي أن لا يخرج على ملوك السوء، وإنما ينبغى أن يصبر عليهم، فإن الله تبارك وتعالى يدمرهم، وأقول لا دليل فى الآية على ذلك، لأنهم لم يخرجوا عن فرعون لعدم استطاعتهم الخروج عنه، فإنهم عبيد بين يديه، وإنما أثنى الله عليهم بمجرد الصبر. وخلاصة القول فى ذلك عندنا معشر الأباضية أنه يجوز القعود تحت السلطان الجائر الموحد، ويأمر القاعد بالمعروف، وينهى عن المنكر إن استطاع وإن لم يستطع ذهب عن الموضع الذى فيه المنكر فى حينه، وكذا إن نهى ولم ينتهوا، وإن لم يستطع الذهاب عنه قعد واقتصر على الإنكار فى قلبه إلا المسجد والسوق، فيجوز له القعود فيهما ما دامت له حاجة فيهما، ولو نهى ولم ينتهوا، وقدر على الخروج أو لم يقدر على النهى أصلا، وإن أدى نهيه إلى قتله أو الإضرار به، وفيه منفعة، جاز له النهى والترك، ويجوز أن يخرج عنه مع غيره شراة إن كانوا أربعين، وتقييدى بالأربعين تقليد لمن تقدم لا شرط عندى، كيف لا يجوز الخروج عنه وهو ظالم لنفسه والمؤمنين ودين الله، بل أقول الخروج عنه واجب إن كانت فيه منفعة للإسلام.
{ ودمرنا ما كان } اسمها ضمير الشأن أو هى زائدة { يصنع فرعون } خبر كان على الأول، وصلة ما على الثانى، أو فرعون اسم كان، وعليه ففى يصنع ضمير فرعون لأنه فى نية التقديم، وإنما جاز تقديم خبرها الفعلى على اسمها لأمن اللبس لاحتياجها إلى الاسم { وقومه } أى خربنا ما صنعوا من قصور وعمارات وبناء { وما كانوا يعرشون } يرفعون من الأعناب والأشجار، أو من الأبنية كمساكن فرعون والصرح الذى يناله هامان وغيرهما مما بالغوا فى رفعه، أو ما كانوا يجعلونه عرشا أى سقفا، وعرش البيت سقفه، وقرأ عاصم فى رواية، وابن عامر، والحسن، وأبو رجاء، ومجاهد بضم الراء وهو رواية عن أبى بكر وابن كثير، وكذا فى النمل، قال يزيدى والكسر أفصح، وقرأ ابن أبى عبلة بضم الياء وفتح العين وكسر الراء مشددة للمبالغة، وقرأ بعض الناس يغرسون بالغين المعجمة والسين المهملة من غرس الشجر، قال جار الله وما أحسبه إلا تصحيفا.
[7.138]
{ وجاوزنا } قطعنا { ببنى } هذه الباء هى المعاقبة لهمزة التعدية { إسرائيل } هو يعقوب، وقرئ وجوزنا بتشديد المبالغة، وقيل هو موافق لجاوزنا، وبالتشديد قرأ الحسن، ويجوز أن يكون التشديد للتعدية لاثنين، فالباء زائدة فى المعمول الأول { البحر } بحر القلزم على الصحيح، جاوزوه عرضا على المشهور، وقيل طولا من ضفة إلى موضع آخر من تلك الضفة بقدر ما يكفى فرعون وقومه، وذلك بوحى من الله، يضرب البحر بعصاه فسلكوا حيث كانت الطرق بالضرب، والظاهر أن ضربه على العرض أو الطول بالوحى أيضا، وأجاز بعضهم أن يكون باجتهاد موسى أن يكون فى الموضع الذى لم يضرب عليه من عرض أو طول أو عار. وقيل بحر النيل، قال بعض وهو خطأ، قيل قطع بهم البحر يوم عاشوراء، وأغرق عدوهم فصلوا بقيته شكرا لله، وإن كان القطع ليلا فهم أصبحوا صائمين له، وبالأول قال الكلبى، وعن الحسن لما جاوزوا البحر خرجوا إلى أرض بيضاء ليس معهم فيها طعام ولا شراب ولا بناء، فظلل الله عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. { فأتوا } مروا { على قوم } من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، وكانوا على ساحل البحر، وقيل من الكنعانيين الذين أمر بقتالهم، وبه قال قتادة، وقال أبو عمران، الجونى من لخم وجذام، وقيل من لخم، ومنهم كانت ملوك العرب فى الجاهلية، ويأتى كلام فى لفظ قوم فى الحجرات إن شاء الله. { يعكفون } يقيمون ويواظبون، وقرأ حمزة والكسائى بكسر الكاف، وكذا أبو عمرو فى رواية عبد الوارث، وقرأ ابن أبى عبلة بضم الياء وفتح العين وتشديد الكاف مكسورة، وذلك مبالغة { على } عبادة { أصنام } وقوله { لهم } نعت أصنام، وكانت على صور البقر فيما قال ابن جريج، وذلك أول شأن العجل، وكانت من حجر وعيدان وغيرها، وقيل كانت بقرا حقيقة يعبدونها. { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها } نعكف على عبادته تقربا به إلى الله، ظنوا أن هذا لا يضر الديانة، فأرادوا - لما استحسنوا ذلك من القوم - أن يكون فى شرع موسى ولم يكن ذلك شكا من بنى إسرائيل فى وحدانية الله تعالى، وقيل قصدوا بذلك الكفر، ويبعد أن يقولوا لموسى اجعل لنا إلها نفرده بالعبادة ونكفر بربك، وذلك نص فى غباوة وجهالة بنى إسرائيل، إذ توهموا أنه تجوز عبادة غير الله مع ما رأوا من الآيات الدالة على الوحدانية، وهذه حال الإنسان أنه ظلوم كفار، جهول، كنود، إلا من عصم، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بنى إسرائيل بالمدينة. وقال يهودى لعلى بن أبى طالب ما لكم لم تلبثوا بعد نبيكم إلا خمس عشرة سنة حتى تقاتلهم؟ فقال على، ولله دره مجيبا ولم أنتم لم تجف أقدامكم من البلل حتى قلتم يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؟ وقيل قال اليهودى اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه؟ فقال على ما اختلفنا فيه، ولكن اختلفنا عنه، وأنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم اجعل لنا إلها.
{ كما لهم آلهة } ما مصدرية عند مجيز دخولها على الجملة الاسمية مطلقا أو كافة وهو أولى { قال إنكم قوم تجهلون } عظمة الله، وأنه مخصوص بالعبادة، لأنه خالق الآيات والنعم التى رأيتم، أو من عادتكم الجهل المتكرر العام حيث قلتم ذلك إثر آيات عظام شاهدتموها، وهذا عجيب، فإن جعل الصنم لو كان فى نفسه جائزا لمن يقربا لله لتطرق إليه التحريم من حيث إنه يجر إلى إفراد الأصنام بالعبادة، كيف وهو فى نفسه إشراك بالله،
" ومر أبو واقد الليثى فى خروجهم إلى غزوة حنين على سدرة عظيمة خضراء، فقال يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، شجرة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم، ولها يوم يجتمعون إليها فيه، وأنكر عليه ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه ذريعة إلى عبادة الشجرة وقال " الله أكبر قلتم والله كما قال بنو إسرائيل اجعل لنا إلها كما لهم آلهة والذى نفسى بيده لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه "
صفحة غير معروفة