[7.53]
{ هل ينظرون } ينتظرون { إلا تأويله } ما يؤل إليه أمره من تبيين صدقه بظهور ما فيه من الوعد والوعيد، وقد تبين لهم موقعة بدر وفتح مكة وسائر القرى، ومسيرون يوم القيامة فالتأويل بلوغ المال، والعاقبة من آل يؤول وقد قال ابن عباس تأويله ماله يوم القيامة، وقيل التأويل بلوغ أوله، أى أهل ينظرون إلا بلوغ ما جاء به أولا وابتداء من وعده ووعيده، وقيل هل ينظرون إلا أولى وجوهه وأحسنها لأنفسهم بأن قالوا إن وعده لنا كما خصنا بنعم فى الدنيا أو أولاها بالقصد، وهو الوعد والوعيد، ورد الله عز وجل عليهم بأنه إذا جاء تأويله قطع عذرهم ولم يراجعوا خيرا، ويقرون حيث لا ينفع الإقرار إذ قال { يوم } متعلق بيقول وهو يوم القيامة { يأتى تأويله يقول الذين نسوه } أى الكتاب { من قبل } الأصل يقولون، فوضع الظاهر تشنيعا عليهم بنسيان مالا يحسن نسيانه والنقلة عنه، ونسيانه ترك الإيمان به، أو العمل به، وهذا يحسن كون النسيان المتقدم بمعنى الترك فيما قيل. { قد جاءت رسل ربنا بالحق } كل يؤمن يومئذ بنبيه ونبى غيره، وكل نبى مرسل قد أخبر عن غيره من الأنبياء، أى تبين الآن أن ما جاءت به الرسل فى الدنيا حق { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } بالنصب فى جواب الاستفهام { أو نرد } معطوف على لنا من شفعاء المتسلط، عليه الاستفهام، فالاستفهام متسلط عليه أيضا ولذلك أعقبه بجواب منصوب إذ قال { فنعمل } كأنه قيل أو هل نرد إلى الدنيا فنعمل { غير الذى كنا نعمل } نبدل الكفر والمعصية بالإيمان والطاعة، ولو ردوا لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعصية فى الدنيا باختيارهم السابق علم الله، وقرأ ابن أبى إسحاق، وأبو حيوة بنصب نرد عطفا على يشفعوا، أى فيشفعوا لنا بدخول الجنة، أو نرد إلى الدنيا بشفاعتهم فنعمل ما ينبغى، أو بمعنى حتى، أو كى يدومون فى الاستشفاع حتى نرد، أو يشفعوا لنا فى الرد كى نرد، فيكونون قد طلبوا الرد فقط، وعلى هذه القراءة فنصب نعمل بالعطف على نرد، وقرأ الحسن برفع نرد ونعمل بعطف نرد على لنا من شفعاء، واستئناف نعمل أى فنحن نعمل، والمشهور عنه نصب نرد على أحد الأوجه، ورفع نعمل على الاستئناف. { قد خسروا أنفسهم } بالكفر والمعاصى { وضل } غاب وبطل ولم ينفع، وما لم ينفع فهو كنائب غير حاضر { عنهم ما كانوا يفترون } من أن الأصنام تشفع لهم، وأن لهم خير الآخرة إن كانت كما كان لهم فى الدنيا.
[7.54]
{ إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام } أى فى ستة أوقات، أو فى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، والأول أنسب وأتم حينئذ، وقال الجمهور كل يوم ألف سنة، وهو قادر على خلقهن فى أقل من لحظة تعليما لخلقه التثبت، والثانى فى الأمور، ولأن خلق شىء فشىء أبلغ فى القدرة والدلالة، وأنفى لما قد يخطر بالبال لو خلق دفعة من أن ذلك وقع على سبيل الاتفاق، ولأنه أراد أن يخلق كل يوم شيئا تستعظمه الملائكة وغيرها ممن شاهد إن كان معهم سواهم، وإن قلنا التعجل فى الخلق أبلغ فى القدرة، فالتثبيت أبلغ فى الحكمة فأظهره فى خلق ما شاء فى كل يوم على حدة، كما أظهر قدرته فى خلقها بكن، فإن خلقه لها ليس بمعالجة كمعالجة البناء والطيان، بل أراد وجودا فوجدت لا على مثال سبق، فإن الخلق إيجاد بلا قياس إلى موجود، وهذا هو المراد، ويستعمل فى اللغة بمعنى التقدير المستقيم وقيل هو الأصل. وروى مسلم أن الله خلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد والشجر يوم الاثنين، والظلمات يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم بعد العصر من يوم الجمعة، وليس بصحيح عنه صلى الله عليه وسلم لمخالفته هذه الآية، وقوله
ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام
لأن فيه سبعة أيام، والجواب أنه خلق التربة يوم السبت من غير أن يخلقها أرضا، وهو جواب ضعيف، وسمى يوم السبت لأنه قطع فيه بعض الخلق أى أوجده، والسبت القطع. والصحيح قول عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وختمه يوم الجمعة، فأول الأيام الأحد، وآخرها السبت، سمى لانقطاع الخلق عنه فاختاره اليهود للراحة، وسمى يوم الجمعة لتمام الخلق فيه واجتماعه، وسائر الأيام على ترتيبه فى الوجود واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة، وقيل خلق التربة يوم الأحد والاثنين، والسماوات فى الثلاثاء والأربعاء، وبسط الأرض وأخرج ماءها ومرعاها، وخلق دوابها ووحشها وما فيها فى الخميس والجمعة، وخلق آدم آخر الخلق فى آخر الساعة الأخيرة من الجمعة . وقيل خلق التربة فى يوم الأحد، والسماوات فى الاثنين والثلاثاء، وبسط الأرض وخلق ما فيها فى الخميس، وآدم فى الجمعة وأهبطه، وجرى فى آخر ساعاتها. وقيل أول ما خلق بعد نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، القلم، ثم اللوح، وأثبت فيه ما يكون، ثم الظلمة والنور، ثم العرش ثم الكرسى من درة بيضاء، ثم التربة، ثم السماوات والنجم والشمس والقمر، ثم مد الأرض من التربة، ثم خلق ما فيها. وذكر ثابت السرقسطى أن الله خلق التربة يوم السبت، وذكره مكى أيضا، وفى عرائس القرآن أن الله سبحانه خلق جوهرة خضراء أضعاف طباق السماوات والأرض، ثم نظر إليها نظر هيبة أى وجه إليها الهيبة فصارت ماء، ثم نظر إلى الماء يعنى النظر المذكور مفسرا فعلا، وارتفع منه زبد ودخان، وارتعد من خشية الله، فمن ثم يرعد الماء إلى يوم القيامة، وخلق من ذلك الدخان السماء، وخلق من ذلك الزبد الأرض، فأول ما ظهر منها على الماء أرض مكة، بسط الأرض من تحتها وفتقها سبعا، وبعث ملكا من تحت العرش فهبط إلى الأرض السابعة فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب قابضتان على سائر الأرضين، وكانت الأرض تتكفأ على الماء كالسفينة، وأرساها بالجبال، وعن على أنها تحركت وضجت يا رب يعمل بنو آدم على الخطايا، وخلق الجبال وأرساها بها، وبين كل أرض وأخرى خمسمائة عام، وغلظ كل أرض كذلك.
قال عبد الله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" الريح مسجون فى الأرض الثانية، وخلق فى الثالثة خلقا وجوههم وجوه بنى آدم، وأفواههم أفواه الكلاب، وأيديهم أيدى الإنسان، وأرجلهم أرجل البقر، وأذنابهم أذناب المعز، وأشعارهم كصوف الغنم، لا يعصون الله طرفة عين، لا يثابون بالجنة، نهارهم ليلنا، وليلنا نهارهم، وفى الرابعة حجارة كبريت لأهل النار تسجر بها النار، وفى الخامسة عقارب أهل النار كالبغال لها أذناب كالرماح، فى كل ذنب ثلاثمائة وستون فقرة، فى كل فقرة ثلاثمائة وستون قلة من سم، وحياتهم بكل حية ثمانية عشر ألف ناب ، الناب كالنخلة العظيمة، فى أصل كل ناب ثمانية عشر ألف قلة من السم، وفى السادسة دواوين أهل النار وأعمالهم وأرواحهم وتسمى سجينا، وفى السابعة إبليس وجنوده وعرشه ".
وعن سلمة بن كهل الجنة اليوم فى السماء السابعة، ويجعلها الله يوم القيامة حيث شاء، والنار فى الأرض السفلى، ويجعلها الله يوم القيامة حيث شاء، وقيل الجنة على يمين العرش فى الآخرة، وتحته فى الدنيا فى السماء السابعة، وقيل فى السادسة، والنار فى الدنيا تحت الأرض السابعة، وفى الآخرة عن يسار العرش، والجنة خلقت قبل النار، وقيل ستوجدان، وتوقف التفتازانى، وتسمى الأولى أديما والثانية بسطا، والثالثة إفيلا، والرابعة بطيحا، والخامسة قلة، والسادسة ماكسة، والسابعة ثورى كما فى عرائس القرآن. وذكر الثلاثى أن تحت الأولى الريح العقيم المزمومة بسبعين زماما، المحيط بها سبعون ألف ملك، وبها أهلك الله قوم عاد، وسكانها قوم يقال لهم البرسم، وأن الثانية تسمى الحادة وفيها أضاف العذاب لأهل النار والجن المؤمنون، والثالثة تسمى هاوية وفيها عفاريت من جنود إبليس يعذبون بأصناف العذاب، والرابعة تسمى الجرباء فيها حيات كالجبال لأهل النار لكل حية أنياب كالنخلة الطويلة، لو ضربت به أعظم جبل فى الأرض لجعلته رميما، سكنها قوم يقال لهم الجاهات ليس لهم أقدام ولا عيون، والخامسة تسمى فلتا فيها حجر الكبريت لأهل النار، سكنها قوم يقال لهم الخيلة لا يعلم عددهم إلا الله، يأكل بعضهم بعضا، والسادسة تسمى سجين، سكنها قوم يقال لهم العطاكث على صورة الطير لا يعرفون الله، والسابعة تسمى العجيبة فيها إبليس وجنوده الكفار، لهم مخالب كمخالب السباع، وهم الذين يسلطون على يأجوج ومأجوج.
وإن أول الأيام يوم الأحد، وفيه خلق السماوات والأرض، ثم يوم الاثنين وخلق فيه الشمس والقمر والنجوم، ثم يوم الثلاثاء وخلق فيه دواب البحر وطيور السماء، ثم يوم الأربعاء وأجرى فيه الأنهار وأنبت فيه الأشجار، وقدر فيه الأقدار، وقسم الأرزاق، ثم يوم الخميس وفيه خلق الجنة والنار، ثم يوم الجمعة وخلق فيه آدم وروح حواء، وتم الخلق فيه قال ابن عباس ولذلك اتخذه المسلمون عيدا ولا بطء فى خلقه الشىء ولا علاج، بل إذا حضر وقت خلق شىء خلقه فى أسرع ما يكون، ووجه الجمع بين قول بعضهم إن الأرض خلقت فى يوم، وقوله سبحانه
صفحة غير معروفة