1049

" إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد أن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وأن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدا "

فذلك قوله عز وجل { ونودوا أن تلكم الجنة } { أورثتموها بما كنتم تعملون } رواه أبو هريرة وأبو سعيد الخدرى. وقيل ينادون إذا رأوا الجنة من بعيد قبل دخولها، فإشارة البعد ظاهرة على حالها، والجنة نعت أو بيان أو بدل، وأورثتموها خبرا، والجنة خبر، وأورثتموها خبر ثان، أو حال من الجنة والعامل فيها معنى الإشارة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الجنة التى وعدوا بها فى الدنيا، وأل فى الجنة للحضور، أى الجنة الموعود لكم بها هى هذه الجنة، وإشارة البعد على هذا واضحة على حالها، وعلى هذا الوجه يتعين كون الجنة خبرا، والجملة خبرا ثانيا أو حالا، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائى أرثتموها بادغام الثاء، ومعنى أورثتموها أعطيتموها، وعبر بالإيراث، كأن المؤمن يأخذ منزله فى الجنة ومنزل الكفار فيها، والكافر منزله فى النار ومنزل المؤمن فيها، وقد سمى الله الكافر ميتا والمؤمن حيا، فأورث الحى منزل الميت، أو عبر به لأن ذلك الثواب العظيم مخلف عن الإيمان والعمل الصالح، كما يخلف الميت المال، أو شبه مصير الجنة إليهم بمصير المال إلى الوارث، والآية نص فى أن الجنة بالعمل. ومن قال بالتفضل فمراده أن ذلك العمل الذى هو سببها إنما وفقه الله إليه وقبله منه، فضلا ورحمة، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم

" لن يدخل الجنة أحد بعمله وإنما يدخلها برحمة الله "

أن عمله لا يوجب الجنة، وأنه ليس ثمنا لها وافيا بها، وإنما هو رحمة من الله أهداها إليه، وعن الحسن دخولها برحمة الله، وقسمتها بالأعمال، أى يحسب الأعمال. وفى الحديث

" الدرجة فوق الدرجة فى الجنة كما بين السماء والأرض فيرفع العبد بصره فيلمع له برق يكاد يخطف بصره فيقول ما هذا؟ فيقال نور أخيك فلان، فيقول كنا نعمل فى الدنيا على هكذا، فيقال إنه كان أحسن منك عملا، ثم يجعل فى قلبه الرضا "

وهذا بظاهره يدل أنه كان فى قلبه عدم الرضا أولا، وفيه بحث، ولعله تكون ثم لمجرد الترتيب الذكرى، أو بمعنى الواو للمهملة لا فى الحكم، بل بحسب علو الشأن كأنه قيل وأعظم من ذلك أن الرضا يكون فى قلبه بإذن الله لا بكسب.

[7.44]

{ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } بعد دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يا أهل النار { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا } فى الدنيا من الثواب على الإيمان والطاعة حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم من العذاب على الكفر والمعصية { حقا قالوا نعم } وإنما سمعوا مع أن الجنة فى السماء السابعة، والنار فى الأرض أو تحت الأرض السابعة، وبينهما أضعاف خمسمائة عام، لأن الله سبحانه، قوى الأصوات أو الأسماع أو كلها، والمنادى من أهل الجنة من شاء الله لا كلهم، أو ينادى من كان من أهل الجنة من يعرفه من الكفار فى الدنيا، وذلك النداء تلذذ لأهل الجنة، وغم لأهل النار، شتم بهم. وحذف مفعول، وعد للعلم به، وقد ذكر فى الأول، أى فهل وجدتم ما وعد ربكم، أو لأن مراد أهل الجنة بما وعدنا ربنا الثواب، وبما وعد ربكم جميع ما وعد من البعث والحساب، والثواب والعقاب، وسائر أحوال القيامة، لأن الكفار مكذبون بذلك، ولأن الموعود كله حتى تنعم أهل الجنة مما ساءهم، فأطلق ليعم وقرأ الكسائى نعم بكسر العين، ورويت عن النبى صلى الله عليه وسلم، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وقرأها ابن وثاب والأعمش، وهما نعتان قال شيخ من ولد الزبير ما كنت أسمع أشياخ قريش يقولون إلا نعم بكسر العين، ثم فقدتها بعد، وعن قتادة، عن رجل من خثعم قلت للنبى صلى الله عليه وسلم أتزعم أنك نبى؟ قال " نعم " بكسر العين، قال أبو حاتم وهذه اللغة لا تعرف اليوم بالحرمين. { فأذن مؤذن } أعلم معلم بصوت رفيع، قال ابن عباس رضى الله عنهما هو إسرافيل عليه السلام صاحب الصور وقيل ملك غيره { بينهم } بين الفريقين بحيث يسمعه كل { أن لعنة الله على الظالمين } وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائى، أن لعنة الله بتشديد نون أن ونصب لعنة، أى بأن لعنة الله وهى مقوية لوجه كون أن فى قراءة الإسكان مخففة، وإنما قرأ أبو بكر ذلك فى رواية البرى وشبل وقرأ فى رواية قنبل بإسكان النون ورفع لعنة، وقرأ الأعمش أن لعنة الله بكسر الهمزة وتشديد النون، ونصب لعنة على تقدير القول، أو لأن التأذين قول.

[7.45-46]

{ الذين يصدون } يعرضون أو يمنعون الناس { عن سبيل الله } وهو الإسلام والطاعة، والذين نعت للظالمين، أو لمنعوت الظالمين، أو خبر لمحذوف على الذم أو مفعول لمحذوف على الذم. { وتبغونها } أى سبيل الله، فإن السبيل يؤنث ويذكر، والتأنيث أكثر { عوجا } حال أى معوجة، أو ذات عوج، وصاحب الحال ضمير النصب، أو معوجين، أو ذوى عوج، فصاحبه ضمير الرفع، أو مفعول مسرح ليبغى، على أن المتصل به فى تقدير المقيد، الأصل يبغون لها عوجا، أى يطلبونه، وعلى كل حال فالمعنى أنهم حاولوا أن يبدلوا دين الله، وقيل طلبوا سبيل الله بالعمل لغيره، وتنظيم غيره كالصلاة والذبح للأصنام، والعوج بكسر العين فى المعانى والأعيان غير المنتصبة، وبفتحها فى المنتصبة كالحوائط والرمح. { وهم بالآخرة كافرون * وبينهما } بين الفريقين لئلا يقتبس الكافر من نور المؤمن، أو بين الجنة والنار لئلا يصل أثر أحدهما إلى الآخر { حجاب } ستر وهو السور فى سورة الحديد. { وعلى الأعراف } أى الأعالى من ذلك الحجاب، أو أل عوض عن الضمير أى أعاليه، جمع عرف مستعار من عرف الديك لارتفاعه على ما سواه من جسده، أو من عرف الفرس، وقيل العرف كلما ارتفع من الأرض، وقيل ما ارتفع من الأرض وغيرها، فإنه يكون بظهوره أعرف من غيره، وعن ابن عباس الأعراف تل بين الجنة والنار، وقال السدى سمى ذلك الموضع بذلك لأن أصحابه يعرفون الناس، قيل وهذه عجمة. وعن السدى وابن عباس الأعراف الشىء المفرط، وعنه أنه هو نفس الحجاب المذكور الذى هو السور المذكور فى سورة الحديد، وقيل هو أحد أو أعاليه ينقل إلى ذلك المقام، قال صلى الله عليه وسلم

صفحة غير معروفة