غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب
الناشر
مؤسسة قرطبة
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤١٤ هجري
مكان النشر
مصر
وَاقْتَصَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ: إنَّ الصَّبْرَ الْجَمِيلَ لَا جَزَعَ فِيهِ وَلَا شَكْوَى إلَى النَّاسِ، وَأَجَابَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ شَكَا إلَى اللَّهِ لَا مِنْهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الدُّعَاءَ، فَالْمَعْنَى يَا رَبِّ ارْحَمْ أَسَفِي عَلَى يُوسُفَ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] إنْ قِيلَ أَيْنَ الصَّبْرُ وَهَذَا لَفْظُ الشَّكْوَى، فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّكْوَى إلَى اللَّهِ لَا تُنَافِي الصَّبْرَ، وَإِنَّمَا الْمَذْمُومُ الشَّكْوَى إلَى الْخَلْقِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ يَعْقُوبَ ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَا إلَى النَّاسِ وَهُوَ فِي شَكْوَاهُ رَاضٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَزَعًا أَلَمْ تَسْمَعْ «قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَضِهِ أَجِدُنِي مَغْمُومًا وَأَجِدُنِي مَكْرُوبًا» وَقَوْلَهُ «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ» هَذَا سِيَاقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ الَّذِي لَا شَكْوَى مَعَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ قَالَ وَفِي أَثَرٍ إسْرَائِيلِيٍّ: أَوْحَى اللَّهُ إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَنْزَلْت بِعَبْدِي بَلَائِي فَدَعَانِي فَمَاطَلْته بِالْإِجَابَةِ، فَشَكَانِي، فَقُلْت عَبْدِي كَيْفَ أَرْحَمُك مِنْ شَيْءٍ بِهِ أَرْحَمُك. ثُمَّ قَالَ وَالشَّكْوَى إلَى اللَّهِ ﷿ لَا تُنَافِي الصَّبْرَ، فَإِنَّ يَعْقُوبَ ﵇ وَعَدَ بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ، وَالنَّبِيُّ إذَا وَعَدَ لَا يُخْلِفُ، ثُمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وَكَذَلِكَ أَيُّوبُ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ وَجَدَهُ صَابِرًا مَعَ قَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وَإِنَّمَا يُنَافِي الصَّبْرَ شَكْوَى اللَّهِ لَا الشَّكْوَى إلَيْهِ، كَمَا رَأَى بَعْضُهُمْ رَجُلًا يَشْكُو إلَى آخَرَ فَاقَةً وَضَرُورَةً، فَقَالَ يَا هَذَا تَشْكُو مَنْ يَرْحَمُك إلَى مَنْ لَا يَرْحَمُك، ثُمَّ أَنْشَدَهُ:
وَإِذَا عَرَاك بَلِيَّةٌ فَاصْبِرْ لَهَا ... صَبْرَ الْكَرِيمِ فَإِنَّهُ بِك أَعْلَمُ
وَإِذَا شَكَوْت إلَى ابْنِ آدَمَ إنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيمَ إلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ
(تَنْبِيهٌ): قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ طَبِيبٌ لَا حَكِيمٌ لِاسْتِعْمَالِ الشَّارِعِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَكِيمُ الْعَالِمُ وَصَاحِبُ الْحِكْمَةِ، وَالْحَكِيمُ الْمُتْقِنُ لِلْأُمُورِ، وَقَدْ حَكُمَ أَيْ صَارَ حَكِيمًا. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَالطَّبِيبُ يَتَنَاوَلُ لُغَةً مَنْ يَطِبُّ الْآدَمِيَّ وَالْحَيَوَانَ وَغَيْرَهُمَا، كَمَا يَتَنَاوَلُ الطَّبَايِعِيَّ وَالْكَحَّالَ
1 / 456