719

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

محقق

محمد تامر حجازي

الناشر

دار الكتب العلمية

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م

قَالَ الخطَابيُّ: يُتَوَهَّمُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ معنَى القَدَرِ مِنَ اللَّهِ الإِجبَارُ وَالقهرُ للعبدِ علَى مَا قضَاه وقَدَّرَهُ، وَلَيْسَ كذلك، وإِنَّمَا مَعْنَاه الإِخبَارُ عَن تقدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ بمَا يَكُونُ مِنْ أَفعَالِ العِبَادِ وَاكْتِسَابِهَا وَصُدُورِهَا عن تقديرٍ مِنْهُ، وخَلْقٍ لهَا، خيرِهَا وشرِّهَا، فَالقَدَرُ اسمٌ/ (١٨٣/ب/د) لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عَنْ فِعلِ القَادرِ كَالهدمِ وَالقَبْضِ، اسمٌ لمَا صَدَرَ عَنْ فِعْلِ الهَادِمِ وَالقَابضِ.
ويقَالَ: قَدَّرْتُ الشّيءَ بتخفِيفِ الدَّالِّ وتشديدِهَا المَعْنَى وَاحدٌ، وخَالَفَ فِي ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ فقَالُوا: إِنَّ الأُمُورَ مُسْتَأْنَفَةٌ بمشيئةِ العبدِ، وهو مستقِلٌّ بِهَا من غَيْرِ سَبْقِ قضَاءٍ وقَدَرٍ، ولذلك قِيلَ لَهُمْ القَدَرِيَّةُ؛ لأَنَّهُمْ نَفَوْا القَدْرَ، وفِي الحديثِ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذه الأُمَّةِ» وذلك لِجَعْلِهم أَنفسَهُمْ مُسْتَبِدِّينَ بأَفعَالِهِمْ خَالِقِينَ لهَا فكأَنَّهُمْ يُثْبِتُون خَالِقَيْنِ: خَالقٍ للخيرِ،/ (٢٢٧/ب/م) وخَالقٍ للشرِّ، كَمَا أَثبَتَ المجوسُ خَالقينِ.
وقَالَ الأَستَاذ أَبُو إِسْحَاقَ بظَاهرِ هذَا الحديثِ فقَالَ: لاَ تُنْكَحُ نسَاؤُهم، ولاَ تُؤْكَلُ ذبَائِحُهُمْ، وفِي قتلِ الوَاحِدِ مِنْهُم دِيَةُ مَجُوسِيٍّ.
وقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: القَدَرِيَّةُ إِذَا سَلَّمُوا العِلْمَ خَصَمُوَا، ومعنَاه أَنَّهُمْ إِنْ أَنكَرُوا عِلْمَ اللَّهِ فِي الأَزلِ بمَا يَكُونُ كَفَرُوا، وإِنِ اعْتَرَفُوا بِهِ فيُقَالُ لهم: هَلْ يَجُوزُ وُقُوعُ الأُمُورِ علَى خِلاَفِ العِلْمِ القديمِ؟ فإِنْ جَوَّزُوه لَزِمَ مِنْهُ نِسْبَةَ الجَهْلِ إِلَى اللَّهِ، تعَالَى عَن ذَلِكَ، وإِن لَمْ يُجَوِّزُهُ فَلاَ مَعْنَى للقَدَرِ إِلا ذلك.
قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: وهذَا مِنْ أَحْسَنِ الإِرشَادِ إِلَى الدَّلِيلِ عليهم.
قَالَ: ولَمْ يَرِدْ بِقَوْلِهِ: إِذَا سَلَّمُوا أَنَّهُمْ قَد يَمْنَعُونَهُ، لأَنَّ مُعْتَقِدَ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ

1 / 734