الفصول في الأصول
الناشر
وزارة الأوقاف الكويتية
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤١٤ هجري
مكان النشر
الكويت
•
مناطق
•إيران
الإمبراطوريات و العصور
البويهيون أو البوييون (شمال وغرب وجنوب فارس؛ العراق)، ٣٢٠-٤٥٤ / ٩٣٢-١٠٦٢
يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ فِيهِ إبَاحَةَ الِاجْتِهَادِ، وَالْحُكْمَ بِاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ لِلْمُصِيبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَاسْتَفْتَى جَمَاعَةً كَانُوا مَعَهُ فِي التَّيَمُّمِ، فَقَالُوا: مَا نَرَى لَك إلَّا الْغُسْلَ، فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ خَبَرُهُ، فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟» وَرُوِيَ فِي خَبَرِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَةِ الْجَنِينِ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: كَيْفَ تَدِي مَنْ لَا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ، فَاسْتَهَلَّ. فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ فَقَالَ النَّبِيُّ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ وَقَضَى فِيهِ بِالْغُرَّةِ»، فَكَانَ هَؤُلَاءِ مُجْتَهِدِينَ، وَلَمْ يَكُونُوا مَعْذُورِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِاجْتِهَادِ.
قِيلَ لَهُ: نَحْنُ لَا نُجِيزُ الِاجْتِهَادَ مَعَ نَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَا مَعَ دَلِيلٍ قَائِمٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُونَ: فَإِنَّهُمْ أَشَارُوا عَلَى الْمَرِيضِ بِالْغُسْلِ مَعَ خَوْفِ التَّلَفِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعًا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
أَلَا تَرَى: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَرَضِيَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلَهُ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وَقَالَ ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْآيِ.
4 / 59