970

الفصول في الأصول

الناشر

وزارة الأوقاف الكويتية

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤١٤ هجري

مكان النشر

الكويت

الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ. فَالْخَبَرُ صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ مُخْطِئًا فِي الْفِدَاءِ، فَعُمَرُ مُصِيبٌ فِي الْإِشَارَةِ بِالْقَتْلِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَاتِبْهُ فِي الْمُشَاوَرَةِ فِي اسْتِعْمَالِ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِيهِ.
وَمِنْهُ: حَدِيثُ قِصَّةِ الْأَذَانِ، «وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اهْتَمَّ لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ لَهَا النَّاسَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ، وَذَكَرُوا لَهُ شَبُّورَ الْيَهُودِ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ وَقَالَ: هَذَا مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ، وَذَكَرُوا لَهُ النَّاقُوسَ، فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى، ثُمَّ أُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَذَانَ، فَجَاءَ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَقِّنْهَا بِلَالًا»، فَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فِي جِهَةِ إعْلَامِ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ. فَاجْتَهَدَ قَوْمٌ فِي الرَّايَةِ، وَقَوْمٌ فِي الشَّبُّورِ، وَقَوْمٌ فِي النَّاقُوسِ، وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فِي اجْتِهَادِهِمْ.
وَمِنْ ذَلِكَ «تَحْكِيمُ النَّبِيِّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَحْكُمَ فِيهِمْ بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا، فَحَكَمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ الرِّجَالِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ» .
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ وَافَقَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى.
قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ وَسَنُبَيِّنُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَدَلَالَةُ الْخَبَرِ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ تَحْكِيمُهُ إيَّاهُ بِمَبْلَغِ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَأَنْ يَكُونَ وَافَقَ حُكْمَ اللَّهِ ﷿ أَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ، غَيْرُ

4 / 34