637

الفصول في الأصول

الناشر

وزارة الأوقاف الكويتية

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤١٤ هجري

مكان النشر

الكويت

التَّأْبِيدِ، وَلَوْ لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] لَكَانَ مَعْقُولًا مِنْ الْآيَةِ ثَبَاتُ حُكْمِهَا إلَى أَنْ يَنْسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ، وَذِكْرُ السَّبِيلِ إنَّمَا أَفَادَ تَأْكِيدَ بَقَاءِ الْحُكْمِ إلَى وَقْتِ وُقُوعِ النَّسْخِ. وَعَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا لَك مَا ادَّعَيْت كَانَتْ دَلَالَةُ الْخَبَرِ قَائِمَةً عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّبِيلَ مَذْكُورٌ فِي النِّسَاءِ خَاصَّةً غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الرِّجَالِ، لِأَنَّ حَدَّ الرَّجُلِ كَانَ الْأَذَى إلَى أَنْ يَتُوبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وَهُوَ مَنْسُوخٌ الْآنَ بِرَجْمِ الْمُحْصَنِ وَجَلْدِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ثُبُوتَ الرَّجْمِ النَّاسِخِ لِحُكْمِ الْآيَةِ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ فَلَا مَحَالَةَ قَدْ أَوْجَبَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ، وَالْأَذَى كَانَ فِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ، فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْصَنِ حُكْمٌ ثَابِتٌ فَكَانَ وُجُوبُ الرَّجْمِ حَدًّا مُبْتَدَأً.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ السَّلَفِ قَدْ قَالَ إنْ ذَلِكَ كَانَ حَدَّ الزَّانِيَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرُوا فَرْقًا بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ حَدًّا لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لَنُقِلَ وَلَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَعْلَمُوهُ حَدًّا لِفَرِيقٍ دُونَ فَرِيقٍ فَيَنْقُلُوا مَا يُوجِبُ كَوْنَهُ حَدًّا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى سُقُوطِ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا»، إخْبَارٌ بِأَنَّ السَّبِيلَ لِجَمِيعِ مَنْ تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ السَّبِيلِ لِلْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُحْصَنَاتِ وَغَيْرِهِنَّ، لَوْلَا ذَلِكَ لَاقْتَصَرَ بِذِكْرِ السَّبِيلِ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ، فَلَمَّا جَمَعَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ

2 / 358