272

ألا ترى أن عبيدك الذين أمرتهم بالتحول من البناء إلى الحرث لو امتنعوا من التحول عن ذلك وقالوا: لن نتحول من البناء إلى الحرث، لكانوا بقولهم ذلك عاصين، ومن الخلق للأدب مستوجبين؛ إذ المملوك لا يصدف عن أمر سيده ولا يخالفه في شيء من حكمه إلا وقع عليه اسم المعصية واستوجب العقوبة، فكذلك ذو العزة والسلطان والجبروت والبرهان، وله المثل الأعلى، فإنما يتعبد الخلق بشريعة بعد(1) شريعة وزيادة في الفرض ونقص من التكليف رحمة واختبارا ونعمة وإعذارا، فمن عارض حكمه فقد أنكر أمره ومن خالف أمره فقد استوجب عذابه.

فإن قال قائل: لم نقضت هذه الشريعة الأولى؟

قيل له: الحكم لله سبحانه والأمر يحكم في عباده ولا معقب لحكمه، وإنما ينقل عبيده في طاعته ويأمرهم في ما شاء من إرادته، وحال من نقلهم من الشريعة إليه آخرا كحال ما أمرهم به من الشريعة أولا سواء سواء، فإن جاز أن يقول قائل: لم نقل الخلق من الشريعة الأولى كان حاله كحال من قال لم تعبدوا(2) أولا، فإذا قال ذلك قائل فقد أبطل أمر الله ونهيه وما افترضه على خلقه من العمل بطاعته؛ إذ الطاعة لا تبين إلا عند الأمر والنهي وكان مذهب من قال بذلك كمذهب من لم ير التعبد، وإذا قائل بذلك قال فقد خرج من الإسلام وصار بذلك من أهل الوزر والآثام فالتارك لما أمر به مقتحم ف معصية ربه خارج مما حكم به عليه خالقه.

وقلت: هل يجوز للأئمة الاختلاف في الديانة والمقالة كما جاز

للأنبياء الاختلاف في الشريعة؟

صفحة ٢٧٩