الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي
الناشر
دار الكتب العلمية-بيروت
الإصدار
الأولى-١٤١٦هـ
سنة النشر
١٩٩٥م
مكان النشر
لبنان
الباهلي، وقد رجع أبو موسى، ولعل سلمان بن رجع كأبي موسى، وهو مختلف في صحبته، وله أثر في فتوح العراق أيام عمر وعثمان، واستهشد في زمنه، فأخذ أبو موسى باجتهاده قبل البحث عن النص، ويؤخذ منه وجوب الرجوع لخبر الواحد بعد معرفته، وأن حكم الحاكم ينقض إذا خالف نصًّا، إلى غير ذلك.
ومنه ما وقع لعمر حيث قضى في دية الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين ناقة، حتى أخبر أن في كتاب آل عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قضى فيها بعشر عشر، فترك قوله ورجع إليه١.
وكذلك خفي عليه رجوع المستأذن إذا استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، حتى أخبره به أبو موسى، وأبو سعيد وأُبَيّ بن كعب، كما في الصحيح٢، وتقدَّمت أمثلة من هذا الباب في آخر اجتهاد عمر.
ومنها اختلاف أبي بكر وعمر في مانعي الزكاة، هل يقَاتَلون أم لا، لقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" الحديث، أخذ عمر بعمومه، فقلب أبو بكر الحجة التي هي هذا الحديث نفسه على عمر، ورأى قياسهم على من امتنع من الصلاة فقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة٣.
وقتال الممتنعين من الصلاة كان معلومًا لعمر؛ لأن النبي ﷺ كان إذا سمع الأذان كفَّ عن القتال وإلا قاتل، وقال في المتخلفين عن الجماعة: "لقد هممت أن أحرّق عليهم بيوتهم" ٤، وتحرق البيوت اعتادوا أن يكون في القتال، ولا يهم ﷺ بما لا يجوز، ودلّ تسليم عمر لقياس أبي بكر أن القياس يخصِّص العموم، ويؤيد أبا بكر ظاهر القرآن أيضًا، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٥، فجعل إيتاء الزكاة شرطًا في عصمة الدم،
١ انظر نيل الأوطار "٧/ ٥٧".
٢ متفق عليه: وسبق تخريجه.
٣ روى المناقشة أبو هريرة وحديثه في البخاري في الزكاة "٢/ ١٣١"، ومسلم في الإيمان "١/ ٣٨".
٤ متفق عليه: البخاري في الأذان "١/ ١٥٨"، ومسلم في المساجد "٣/ ١٢٣".
٥ التوبة: ١١.
1 / 325