689

في الأدب الحديث

مناطق
مصر

ومن الأغراض التي كادت تندر: الحماسة، وإذا كان البارودي قد أبدع في الحماسة وأعادها قوية مشبوبة الأوار، لماعة السيوف كما كانت في عهد البطولة العربية الأولى، فإنه كان فارسا خاض غمرات الحروب، وشهد المعامع وصيال # الخيول، وقصف المدافع، أما الذين أتوا بعده فإن أتوا بشيء من الحماسة في شعرهم فذلك عن تقليد لا عن أصالة، وكثيرا ما تثير ذكريات الماضي وما فيها من صورة رائعة للبطولة والحماسة في نفوسهم، فيصفون هذا الماضي، وما كان فيه من أحداث جليلة، وما قام به الفرسان من أعمال. على أن هناك ما صرفهم عن الحماسة، وأشبع نفوسهم من هذه الناحية ألا وهو الشعر الوطني القومي، سنأتي على ذكره بعد قليل.

ومن الأغراض التي اضمحلت. وخبا بريقها من قصائد، وقد كان لها شأن أي شأن في القدم، وعند البارودي: الفخر، كان الشعراء في الجاهلية، وفي الإسلام فرسانا شجعانا أشرافا، فكان من الطبيعي أن يتغنوا بمفاخرهم ومفاخر قبائلهم، وأعمالهم، ثم افتخر الشعراء بعد ذلك بشعرهم وباهوا بمواهبهم ولكن العصر الحديث بعد بالشاعر عن ميادين القتال، ولم يعد ذلك الشاعر الذي يدل بأعماله من كرم ونجدة، ويدل بأعمال قبيلته، بل انقلب الفخر إلى شيء آخر هو ما سيظهر في الشعر الوطني، يشيد فيه الشاعر بأمجاد أمته وتاريخها كما فعل شوقي مثلا في ملاحمه العربية والإسلامية.

أما الغزل فقد احتل المقام الرفيع عند الشعراء، وإن سار كثير منهم في أول الأمر سيرة الأولين وقلدوهم في الأوصاف المادية، وفي تشبيهاتهم، ولكنه ما لبث أن دخل عليه شيء كثير من تحليل العاطفة، وتصوير نزوات النفوس، وفتقت فيه المعاني. وإن جنح عند بعض الشعراء المحدثين الذين ظهروا في أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى اليوم، إلى الشهوة والتخنث والإسفاف.

ولقد تبين الشعراء في هذا الفن فمنهم من تكلفه تقليدا للقدماء، إرضاء لفنه الشعري دون أن يصدر عن عاطفة أو هوى، ولذلك جاء شعرا جافا من الأحاسيس تلمس فيه أثر الصنعة، ومنهم من صدر فيه عن نار مشبوبة بين جوانحه معنى جميلا، ونظما رقيقا، وصورا زاهية طلية، وتنبض بالحياة لا تماثيل جامدة لا تتحرك ولا تحس فيها أثرا من الشعور. وقد اشتهر من بين شعراء الغزل شوقي، وإن كانت الصنعة والتكلف، وفقدان العاطفة قد غلب على ما قاله، كما اشتهر به إسماعيل صبري وهو كذلك لا يصدر عن وجدان صادق كما سترى في ترجمته.

صفحة ٣٠٧