515

في الأدب الحديث

مناطق
مصر

وعاد والثورة المصرية على أشدها، بسعي من رشدي باشا لدى السلطة المحتلة، وبإيحاء من السلطان حسين كامل قبل وفاته بعد أن رجاه في ذلك كثيرون من أصدقاء شوقي1. عاد شوقي والثورة المصرية في عنفوانها، وقد لمعت في سماء الوطنية أسماء لم يكن من قبل ذكر، وهبت الأمة جميعها غاضبة لحقها المغصوب، ودم بينها المسكوب، واستقلالها المسلوب، وشعر الإنجليز أنهم أمام أمة جادة في طلب حرياتها، تستهين بالدماء وبالأموال، متحدة الصفوف # لا يجد فيها العدو ثغرة ينفذ منها إلى التفرقة بينهم، وأخذوا يتراجعون رويدا رويدا، أو يحيكون الشباك للتفرقة، فألفوا لجنة "ملنر" ثم قدم ملنر مشروعه، فرفضه الوفد أول الأمر، وعدله بعد ذلك ملنر تعديلا يسيرا، فلم يشأ سعد أن يبت هو والوفد الذي سافر للمفاوضة في الأمر وحده، وأرسل المشروع مع أربعة1 من أعضاء الوفد ليعرضوه على الأمة لتقول فيه كلمتها، وقد وجه سعد إلى الأمة كلمة قال فيها عن المشروع: "غير أنه نظرا لاشتماله على مزايا لا يستهان بها، وتغير الظروف التي حصل التوكيل فيها، وعدم العلم بما يكون من الأمة بعد معرفتها بمشتملاته، وقياس المسافة التي بينه وبين أمانيها، ورأى إخواننا معنا خروجا من كل عهدة، وحرصا على كل فائدة، واستبقاء لكل فرصة، ألا يبتوا فيه رسميا بما يقتضيه توكيلهم، قبل عرضه عليكم أنتم نواب الأمة المسئولون، وأصحاب الرأي فيها"2.

وإن كان سعد قد بين لأصحابه بمصر أنه حماية، وأنه يرفضه، وقد قال في كتابه لهم3: "أظنكم تستشفون أني لست من رأى المشروع الذي ستعرضونه على الأمة، أنتم والقادمون إليكم من إخوانكم، وهذا موافق للحقيقة؛ لأنه -وأريد أن يكون الأمر بيني وبينكم- مشروع ظاهره الاستقلال والاعتراف به، وباطنه الحماية وتقريرها"4.

فلم يكن سعد صريحا في الخطاب الذي وجهه للأمة، وظن بعض الناس أنه يوافق عليه، ووجد فيه بعضهم خطوة إلى الأمام، ومن هؤلاء شوقي. وقد نزل إلى معترك السياسة غب وصوله من منفاه، بعد أن أوصدت في وجهه أبواب القصر وتغير سكانه، ولم يعد مقيدا بقيوده، فقال في مشروع ملنر:

ما بال قومي اختلفوا بينهم ... في مدحة المشروع أو ثلبه

كأنهم أسرى أحاديثهم ... في لين القيد وفي صلبه

يا قوم هذا زمن قد رمى ... بالقيد واستكبر عن سجنه

لو أن قدا جاءه من عل ... خشيت أن يأبى على ربه

صفحة ١٢٨