فتح المتعال على القصيدة المسماة بلامية الأفعال
محقق
إبراهيم بن سليمان البعيمي
الناشر
مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الإصدار
١٤١٧هـ
سنة النشر
١٤١٨هـ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْمُؤلف
اسْمه وَنسبه:
هُوَ حمد بن مُحَمَّد الرائقي الصعيدي الْمَالِكِي.
هَذَا مَا اسْتَطَعْت الْوُصُول إِلَيْهِ فِي نسبه، إِذْ لم أجد من ترْجم لَهُ وكل مَا اسْتَطَعْت الْوُصُول إِلَيْهِ حِيَال نسبه مَأْخُوذ من النّسخ الَّتِي اعتمدت عَلَيْهَا، وعبثًا حاولت التنقيب فِي بطُون المراجع المختصة بِعلم الرِّجَال خلال الحقبة الَّتِي عَاشَ فِيهَا الرجل، وَلَكِنِّي لم أجد ذكرا لَهُ، فَأخذت أقدم فِي اسْمه وأؤخر عَسى أَن أَقف على تَرْجَمَة لَهُ من مثل أَحْمد بن مُحَمَّد، وَمُحَمّد بن مُحَمَّد، ومحمود بن مُحَمَّد، والسعيدي مَكَان الصعيدي والصعدي نِسْبَة لصعدة مَدِينَة فِي الْيمن، وَلَكِن كَانَ يردني أَنه مالكي وَأهل الْيمن إِمَّا زيود وَإِمَّا شافعية وَلَيْسَ فيهم مالكية، والمالكية فِي صَعِيد مصر كثر مِمَّا يُقَوي نسبته لصعيد مصر ويوهن نسبته لصعدة الْيمن فَقلت لَعَلَّه آفاقي فيهم فَعَسَى أَن أظفر بِشَيْء وَلَكِن ذهب جهدي أدراج الرِّيَاح، وكلمّا أعياني التنقيب أوقفت الْبَحْث يأسًا من العثور على شَيْء، ثمَّ إِذا عاودني النشاط عدت للبحث من جَدِيد وَهَكَذَا دواليك عَاميْنِ كَامِلين.
والصعيدي نِسْبَة لصعيد مصر إقليم وَاسع جدا فِي جنوب الْقَاهِرَة خرج مِنْهُ طَائِفَة كَبِيرَة من الْعلمَاء الأفاضل فِي مُخْتَلف الْعُلُوم والفنون.
والرائقي قَبيلَة فِي صَعِيد مصر لَا تزَال تحمل هَذَا المسمّى حسب مَا أَخْبرنِي بِهِ أحد الْفُضَلَاء من أَبنَاء ذَلِك الإِقليم.
1 / 127
وَالَّذِي يَبْدُو لي – وَالله أعلم – أَن صاحبنا عَاشَ فِي الصَّعِيد بَعيدا عَن مراكز الحضارة فِي مصر وَهَذَا مَا جعل الْمَعْنيين بالتراجم من أَمْثَال الجبرتي فِي تَارِيخه، ومبارك فِي خططه، والشوكاني فِي الْبَدْر الطالع، والبيطار فِي حلية الْبشر، وَابْن زبارة فِي النُّور السافر وَغَيرهم يغفلون ذكره.
كَمَا أَنه لم يحظ بتلامذة نجباء يحملون علمه واسْمه من بعده فيشتهر بهم؛ وَلِهَذَا عَاشَ الرجل مَجْهُولا، وَكم من عَالم نحرير خَفِي على الْعَالمين ببعده عَن مراكز الحضارة.
مولده ووفاته:
بِمَا أننا لم نقف على تَرْجَمَة للرجل فَمن الْعَبَث الْجَزْم بتاريخ قَاطع لميلاده أَو وَفَاته، وكل مَا نستطيع القَوْل بِهِ فِي هَذَا الشَّأْن هُوَ تقريبي فَقَط بِنَاء على إشارات من كِتَابه مقربة للزمن لَا جازمة بِهِ، فَنَقُول: إِن الرجل عَاشَ مَا بَين الْعَام ١١٧٠، و١٢٥٠هـ تَقْرِيبًا، لِأَنَّهُ نقل من الشَّيْخ أَحْمد بن أَحْمد بن مُحَمَّد السجاعي فِي موضِعين١ من كِتَابه فتح الْجَلِيل على شرح ابْن عقيل،
١ - فِي اعتراضه على ابْن مَالك فِي بَاب أبنية الفاعلين والمفعولين إِذْ جمع فَاعِلا ومفعولًا على فاعلين ومفعولين مَعَ أَن المُرَاد بهما هُنَا الْأَبْنِيَة لَا الذوات، وَجمع السَّلامَة خَاص بالعقلاء وصفاتهم قَالَ فِي اللوحة: ٤١/ب: "بَاب أبنية: جمع بِنَاء وَالْمرَاد بِهِ الصِّيَغ أَي صِيغَة أَسمَاء الفاعلين جمع فَاعل والمفعولين جمع مفعول، وَاعْترض هَذَا الْجمع بِأَن فَاعِلا ومفعولًا اسمان للفظ وَهُوَ غير عَاقل، وَلَا يكون هَذَا الْجمع إِلَّا للعقلاء، وَأجِيب بِأَن مَا ذكر اسْم للمعنى والذوات الفاعلة أَو المفعولة لَا للفظ وغلّب الْعَاقِل على غَيره فساغ الْجمع أَفَادَهُ العلاّمة السجاعي عَن ابْن أم قَاسم" وَهُوَ فِي فتح الْجَلِيل.
والموضع الثَّانِي الَّذِي نقل فِيهِ عَن السجاعي فِي اللوحة ٤٢/ب فِي الْخلاف فِي أبنية الصّفة المشبهة حول الْجَزْم بمدى قِيَاس فعيل دون فعْل من فعُل المضموم الْعين قَالَ: "قالو وَإِنَّمَا لم يصرّح بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لم يطّرد فيهمَا السماع اطرادًا يقطع فِيهِ بِالْقِيَاسِ، وَغَيره يرى أَن فعيلًا يُقَاس مطّردًا دون فعْل أَفَادَهُ الْعَلامَة السجاعي" وَهُوَ مَوْجُود فِي فتح الْجَلِيل.
1 / 128
والسجاعي توفّي عَام ١١٩٧هـ، وَنقل من مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْأَمِير الْكَبِير١ دون أَن يذكر اسْمه صَرَاحَة فِي مَوضِع وَاحِد، والأمير توفّي عَام ١٢٣٣هـ، وَإِحْدَى النسختين اللَّتَيْنِ عملت عَلَيْهِمَا مؤرخة عَام ١٢٤٨هـ، وَهِي لَيست نُسْخَة الْمُؤلف بل منقولة عَنْهَا؛ وَبِنَاء على هَذَا نستنتج أنّ الرجل كَانَ حَيا خلال تِلْكَ الحقب الزمنية، وَأَنه كَانَ أَصْغَر من السجاعي لِأَنَّهُ كَانَ يصفه بالعلامة وَلَعَلَّ السجاعي من شُيُوخه، وَأَنه كَانَ قرينًا للأمير الْكَبِير لِأَنَّهُ وَصفه بِبَعْض الْمُحَقِّقين وَقد يكون زميلًا لَهُ.
١ - فِي تَعْرِيف اللُّغَة فِي اللوحة ٦/ ب من النُّسْخَة ف قَالَ: "وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين اللُّغَة فِي الِاصْطِلَاح اسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ لَا نفس الْأَلْفَاظ" وَكتب بالهامش المُرَاد من بِبَعْض الْمُحَقِّقين الشَّيْخ مُحَمَّد الْأَمِير فِي حَاشِيَته على الشذور. أ؟. من تَقْرِير الْمُؤلف.
1 / 129
دراسة الْكتاب
عنوانه:
الْكتاب عنوانه "فتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الْأَفْعَال" هَذَا هُوَ المدوّن على النسختين، وكما صرّح بِهِ الْمُؤلف: "وسمّيته بِفَتْح المتعال على القصيدة الْمُسَمَّاة بلامية الْأَفْعَال".
نِسْبَة الْكتاب للمؤلف:
لَا شكّ فِي نِسْبَة الْكتاب للمؤلف إِذْ صرح الْمُؤلف باسمه فِي أول الْكتاب فَقَالَ: "الْحَمد لله على إفضاله، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَبعد فَيَقُول أحْوج الْعباد، وأخفض العبيد حمد بن مُحَمَّد الصعيدي الْمَالِكِي غفر الله لَهُ ولوالديه ولإخوانه وَالْمُسْلِمين آمين هَذَا تَعْلِيق لطيف على منظومة الإِمَام أبي عبد الله جمال الدّين مُحَمَّد بن مَالك...".
وَمِمَّا يُؤَكد نِسْبَة الْكتاب للمؤلف مَا ذكره بروكلمان فِي تَارِيخ الْأَدَب الْعَرَبِيّ فِي النُّسْخَة الْعَرَبيَّة فِي حَدِيثه عَن لامية الْأَفْعَال وشروحها: ٥/٢٩٢ قَالَ "شرح لحمد بن مُحَمَّد السعيدي ميونخ ٧١٩" وَلكنه جعله السعيدي بِالسِّين بدل الصعيدي بالصَّاد.
مصَادر الْكتاب:
اعْتمد الْمُؤلف كثيرا على الشَّرْح الْكَبِير لبحرق اليمني فِي شَرحه لامية الْأَفْعَال، وَهُوَ قد صرّح بذلك فَقَالَ: "اقتطفته من ثمار شرح الإِمام الْفَاضِل بحرق اليمني وَهُوَ المُرَاد بالشارح عِنْد الإِطلاق، وَبَعض كَلِمَات من غَيره".
1 / 130
موقفه من ابْن مَالك:
لم يكن موقفه من ابْن مَالك موقف المسلّم المستسلم بِمَا قَالَ بل كَانَ يناقش ويرجح خلاف اخْتِيَار ابْن مَالك، إِذا بدا لَهُ أَن الصَّوَاب خِلَافه من مثل حَدِيثه عَن كسر عين مضارع فَعَلَ يَفْعِلُ إِذا كَانَ يائي اللَّام من مثل أَتَى يَأْتِي قَالَ: "وَلم يشذّ من هَذَا النَّوْع إِلَّا أَبى الشَّيْء يأباه إباء بموحدة، وَلم يستثنه النَّاظِم".
1 / 131
وَمن مثل حَدِيثه عَن الْمِثَال الواوي من فَعَلَ المفتوح الْعين قَالَ ١٣/ب: "قَالَ الشَّارِح: صرح فِي التسهيل بِأَن سَائِر الْعَرَب غير بني عَامر تلْزم كسر مضارع هَذَا النَّوْع، وَلم يسْتَثْن مِنْهُ شَيْء وَلَا شَرط لَهُ شرطا وَهُوَ مُقْتَضى النّظم، وَذَلِكَ عَجِيب مِنْهُ فَإِنَّهُ جَاءَت مِنْهُ أَفعَال بِالْفَتْح، بل إنّاَ نقُول بِاشْتِرَاط كَون لامه غير حرف حلق، فإنني تتبعت مواده فَوجدت حلقي اللَّام مِنْهُ مَفْتُوحًا كوجا الْأُنْثَيَيْنِ يجَأ رضّهما، ودعه يَدعه تَركه، ووزعه يزعه كَفه وَوضع يَضَعهُ" الخ.
وَقَالَ فِي مضارع فَعَلَ يَفْعُلُ مَفْتُوح الْعين فِي الْمَاضِي مضمومها فِي الْمُضَارع قَالَ ٢١/أ: "قَالَ الشَّارِح: شَرط فِي التسهيل للُزُوم الضَّم فِيمَا لامه وَاو أَن لَا يكون عينه حرف حلق، وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام النَّاظِم فِيمَا سَيَأْتِي فِي الحلقي، وَكَأَنَّهُ لم يمعن النّظر فِي ذَلِك".
وَهَكَذَا كَانَ ديدنه، ولكنَّ أغلب مَا اعْترض بِهِ على ابْن مَالك هُوَ من كَلَام بحرق اليمني وللمصنف الِاخْتِيَار، وَالِاخْتِيَار دَلِيل الْمُوَافقَة، إِذْ قد اعْترض على الشَّارِح فِي إعرابه قَول ابْن مَالك فِي اللامية:
عين الْمُضَارع من فعلت حَيْثُ خلا ... من جالب الْفَتْح كالمبني من عتلا
فاكسر أَو اضمم إِذْ تعْيين بعضهما ... لفقد شهرةٍ أَو دَاع قد اعتزلا
عين مَنْصُوب على التَّنَازُع فَقَالَ الصعيدي ٢٤/ب: "عين الْمُضَارع مفعول بِهِ مقدّم لقَوْله اكسر، وَلَا يضرّه وُقُوعه بعد الْفَاء؛ لِأَنَّهَا زَائِدَة، ومفعول اضمم مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ الْمَذْكُور، وَلَيْسَ من بَاب التَّنَازُع خلافًا للشَّارِح؛ لِأَن النَّاظِم لَا يرَاهُ فِي الْمُتَقَدّم".
1 / 132
وَكَذَلِكَ كَانَ موقفه من ابْن النَّاظِم يخطئه أَحْيَانًا كَمَا قَالَ فِي شرح هَذَا الْبَيْت:
فَعالة لخصال والفِعالة دع ... لحرفة أَو ولَايَة وَلَا تهلا
فَقَالَ: "قَالَ بدر الدّين رَحمَه الله تَعَالَى: الْخِصَال إِنَّمَا تبنى من فعُل المضموم نَحْو نظف نظافة قَالَ وَقد تقدّم أَن مصدره يَجِيء على فَعالة وفُعولة كالشجاعة والسهولة فَقَوله هُنَا فَعالة لخصال إِعَادَة مَحْضَة قَالَ الشَّارِح: وَعِنْدِي أَنه لَيْسَ بِإِعَادَة مَحْضَة بل هُوَ بَيَان أَعم من الأول فَإِنَّهُ ذكر فِيمَا مضى أَن فعُل بِالضَّمِّ يَجِيء مصدره الْمَقِيس على فَعالة وفُعُولة، وَأَرَادَ هُنَا أَن يبيّن أَن أَفعَال الْخِصَال من أَي فعل كَانَ يُقَاس مصدره على فعالة".
طَرِيقَته فِي الشَّرْح:
يَبْدُو أَن الأسلوب الَّذِي سلكه الشَّيْخ خَالِد الْأَزْهَرِي فِي التَّصْرِيح، والأشموني فِي مَنْهَج السالك من دمج الْمُتُون الَّتِي يشرحونها بكلامهم حَتَّى يَكُونَا كلَاما وَاحِدًا يصعب التَّفْرِيق بَينهمَا قد راق لصاحبنا فسلكه؛ إِذْ نثر لامية الْأَفْعَال فِي كَلَامه نثرًا وخلطهما مَعًا فصارا شَيْئا وَاحِدًا، وَلم يصنع كَمَا صنع من قبله من شرّاح المنظومات بإيراد بَيت كَامِل ثمَّ يعقبه الشَّرْح، بل كَانَ صاحبنا يجزِّئ الْبَيْت أَجزَاء، ويشرح كلّ جُزْء على حِدة بِحَسب مُرَاده تسبقه أَحْيَانًا عبارَة "أَشَارَ لَهُ بقوله ".
وَهَذَا الأسلوب الَّذِي سلكه جعله يلجأ إِلَى الْفَصْل بَين المتلازمين كالعاطف والمعطوف، وَالْجَار ومجروره، والمضاف والمضاف إِلَيْهِ من مثل شَرحه لهَذَا الْبَيْت:
1 / 133
من أفْعَلَ الأمرُ أفْعِلْ واعزه لسوا
هـ كالمضارع ذِي الْجَزْم الَّذِي اختزلا
إِذْ جزّأه سِتَّة أَجزَاء فَقَالَ "من أَفْعَلَ الأمرُ أَفْعِلْ" الأمرُ مُبْتَدأ وأفعلْ بِقطع الْهمزَة الْمَفْتُوحَة وَكسر الْعين خَبره، وَمن أفعل مُتَعَلق بِمَحْذُوف صفة الْأَمر... ثمَّ قَالَ "واعزه" أَي الْأَمر "لسواه" أَي لسوى أفعل "كـ" صِيغَة "الْمُضَارع ذِي" أَي صَاحب "الْجَزْم الَّذِي اختزلا". كَمَا ترى قد فصل بَين الْجَار وَالْمَجْرُور فِي "كالمضارع"، والمضاف والمضاف إِلَيْهِ فِي "ذِي الْجَزْم"
وَلَو شَاءَ امْرُؤ أَن يستلّ لامية الْأَفْعَال من هَذَا الْكتاب لَكَانَ بمقدوره ذَلِك دون أَن يفقد مِنْهَا شَيْء وَلَكِن بعد عناء وَجهد جهيد.
وَهَذَا الأسلوب الَّذِي سلكه المُصَنّف جعلني أورد فِي الْحَاشِيَة أَبْيَات اللامية عِنْد ذكر الْمُؤلف أول كلمة من الْبَيْت المُرَاد شَرحه ليَكُون الْقَارئ على بَصِيرَة مِمَّا يُرَاد شَرحه لَهُ، وَإِذا كَانَت الفكرة الَّتِي يُرَاد شرحها تتكون من أَبْيَات مُتعَدِّدَة فإنني أوردهَا مجتمعة.
كَمَا أنني جعلت اللامية فِي الْمَتْن بَين قوسين كبيرين وبخط مُخْتَلف بِحَسب تجزئة الْمُؤلف لَهَا؛ لكَي يفرق الْقَارئ بَين الْمَتْن وَالشَّرْح هَكَذَا (وانقل لفاء الثلاثي) (شكل عين إِذا) (اعتلت) (وَكَانَ) (بتا الْإِضْمَار) (مُتَّصِلا)
وَلَو شِئْنَا جمع شتات هَذَا الْبَيْت لَكَانَ بِهَذِهِ الصُّورَة:
وانقل لفاء الثلاثي شكل عين إِذا اعـ
تلت وَكَانَ بتا الْإِضْمَار مُتَّصِلا
فَمَا وضع بَين ذَيْنك القوسين وَكتب بذلك الْخط فَهُوَ من اللامية.
1 / 134
شَرحه الْغَرِيب:
تمتلئ المصنفات الصرفية بالغريب والحوشيّ من الْكَلَام، والأوزان المهجورة الْآن من مثل: اِفْعَيَّلَ كاهْبَيَّخَ، اِفْعَنْلأ كاحْبَنْطَأَ، وَمن مثل فَهْعَلَ ك"رَهْمَسَ " وهَفْعَلَ ك"هَلْقَمَ" وهلمَّ جرَّا من هَذِه الأوزان الَّتِي لَا يعرف المتخصصون فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة مَعْنَاهَا وَلَا يضبطون مبناها إِلَّا بِالرُّجُوعِ للمعاجم، وَكَأن صاحبنا قد أحسَّ بِهَذَا؛ فتولّى شرح الْغَرِيب، وَضبط الْبناء كَقَوْلِه "وَمِنْهَا اِفْعَنْلَلَ كاحْرَنْجَمَ بِزِيَادَة همزَة الْوَصْل وَالنُّون بَين الْعين وَاللَّام الأولى، وَهُوَ لمطاوعة فَعْلَلَ كحَرْجَمْتُ الإبلَ فَتَحَرْجَمَتْ: أَي جمعتها فاجتمعت" وَقَالَ فِي الْأَفْعَال الثلاثية مَكْسُورَة الْعين فِي الْمَاضِي وَفِي مضارعها الْفَتْح وَالْكَسْر مَعًا قَالَ "الثَّانِي وَغِرَ بغين مُعْجمَة يُقَال وَغِرَ صدرُه يَغِرُ وَيوْغَرُ إِذا توقَّدَ غيظًا" وَقَالَ فِي الْأَفْعَال الثلاثية المضعّفة اللَّازِمَة الَّتِي سمع فِي مضارعها الْكسر قِيَاسا وَالضَّم شذوذًا "السَّابِع عشر: نَسَّ الشيءُ بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة يُقَال نَسَّ اللحمُ ينِسُّ وينُسُّ أَي جفَّ وَذَهَبت رطوبته".
شواهده:
شَوَاهِد الصّرْف فِي الْجُمْلَة قَليلَة لَا ترقى إِلَى مستوى شَوَاهِد النَّحْو؛ وَلِهَذَا نجد أغلب كتب التصريف شحيحة فِي شواهدها، وصاحبنا تنوّعت شواهده إِذْ اسْتشْهد بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم، وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة، وأشعار الْعَرَب، وأمثالهم، وَلكنهَا كَمَا قلت قَليلَة يَأْتِي فِي صدارتها شواهده من الْقُرْآن الَّتِي ناهزت ثَمَانِينَ شَاهدا، وَكَانَ الْمُؤلف يُورد فِي بعض الْأَحَايِين الشَّاهِد من الْقُرْآن دون إِشْعَار بِأَنَّهُ آيَة، بل كَانَ يجتزئ من الْآيَة بموطن الشَّاهِد كاستشهاده على مَجِيء فِعْلِ
1 / 135
الْأَمر من أَفْعَلَ على أَفْعِلْ قَالَ: "فِعْلُ الْأَمر الْكَائِن من أَفْعَلَ كأَكْرَمَ بزنة أَفْعِلْ كأَكْرِمْ زيدا و﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ و﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ و﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ وَقَالَ فِي معنى فعّل المضعّف الْعين "وَيكون أَيْضا لإِفادة معنى التكثير نَحْو ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَاب﴾ وَهَكَذَا يُورد الْآيَات دون إِشْعَار بِأَنَّهَا آيَة، بل ربّما اجتزأ بِكَلِمَة وَاحِدَة مِنْهَا من مثل استشهاده على وجوب كسر همزَة الْوَصْل وَعدم الِاعْتِدَاد بالحركة الْعَارِضَة فِي عين أَمر الثلاثي إِذا كَانَت مَكْسُورَة فِي الأَصْل وطرأ عَلَيْهَا الضَّم فَقَالَ "وَاحْترز بقوله لُزُوم الضَّم مِمَّا لم يكن الضَّم فِيهِ لَازِما نَحْو ﴿امْشُوا﴾ فاجتزأ بِهَذِهِ الْكَلِمَة من الْآيَة السَّادِسَة من سُورَة ص.
وَكَانَ يستشهد بالقراءات الشاذة وَلكنه كَانَ ينبِّه على ذَلِك بقوله وَقُرِئَ شذوذًا.
أما عَلَيْهِ شواهده من حَدِيث رَسُول الله صلى الله وَسلم فَكَانَت فِي الْمرتبَة الثَّانِيَة، وَلكنهَا لَا تبلغ فِي الْكَثْرَة شواهده من الْقُرْآن كاستشهاده بقوله ﷺ: "لَا خلابة" و"الْوَلَد مَبْخَلَة مَجْبَنَة" و"السِّوَاك مطهرة للفم مرضاة للرب".
أما شواهده من أشعار الْعَرَب فَهِيَ تعدّ على أَصَابِع الْيَد الْوَاحِدَة، وَمَعَ قلتهَا فَلم يعلّق عَلَيْهَا، وَعزا وَاحِدًا مِنْهَا فَقَط مَعَ أَنه مَحل نزاع.
وَاسْتشْهدَ بِمثل وَاحِد من أَمْثَال الْعَرَب وَهُوَ قَوْلهم "برق خلّب" وَفِي الْجُمْلَة شَوَاهِد الصّرْف قَليلَة فِي هَذَا الْكتاب وَغَيره.
1 / 136