فتاوى قاضيخان
فصل في جناية الحائط رجل مال حائط داره إلى الطريق أو إلى ملك إنسان فسقط وأتلف إنسانا أو مالا إن سقط قبل الإشهاد فلا ضمان عليه وإن سقط بعد الإشهاد ضمن إذا لم يفرغ ذلك الموضع عن الحائط مع القدرة عليه يصير جانيا إن تلف به إنسان كانت الدية على عاقلته وإن أتلف مال إنسان كان ضمانه على صاحب الحائط في ماله وتعتبر القدرة على التفريغ من وقت الإشهاد إلى وقت السقوط من غير زوال القدرة فيما بين ذلك وصورة الإشهاد إذا كان مائلا إلى الطريق أن يقول له واحد من الناس إن حائطك هذا مائل إلى الطريق أو مخوف أو متصدع فاهدمه * وإن كان مائلا لملك الغير يقول له ذلك صاحب الدار * وشرط وجوب الضمان على صاحب الحائط المطالبة بالإصلاح والتفريغ ولا يشترط الإشهاد حتى لو طولب بالتفريغ ولم يفعل مع القدرة عليه كان ضامنا * ولو قيل له أن حائطك مائل ينبغي لك أن تهدمه كان ذلك مشورة ولا يكون طلبا وإشهادا * وتصح المطالبة بالتفريغ عند القاضي وعند غيره أو لم يكن هناك أحد * وإنما ذكر الإشهاد حتى لو أنكر صاحب الحائط الطلب يمكنه إثباته بالبينة * وإن شهد بالطلب رجلان أو رجل وامرأتان يثبت الطلب ويثبت أيضا بكتاب القاضي إلى القاضي * ولو أن صاحب الحائط باع الحائط بعد ما أشهد عليه برئ عن الضمان لأنه لا يبقى قادرا على الهدم بعد البيع * بخلاف ما إذا شرع كنيفا أو جناحا أو ميزابا أو وضع خشبة في الطريق ثم باع الدار أو باع الخشبة فتلف بذلك إنسان أو مال إنسان كان ضامنا لأن ثمة مجرد إخراج الكنيف ووضع الحجر في الطريق جناية فلا يبطل البيع * ولو كان صاحب الحائط المائل عاقلا بالغا مسلما فأشهد عليه ثم جن جنونا مطبقا أو ارتد والعياذ بالله ولحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه فجاء مسلما فردت عليه الدار فسقط الحائط بعد ذلك وأتلف إنسانا كان هدرا لأنه لم يبق له ولاية الإصلاح بعد الردة والجنون فلا تعود بعد ذلك * وكذا لو أفاق المجنون * وكذا لو باع الدار بعد أن أشهد عليه ثم ردت عليه بعيب بقضاء أو بغيره أو بخيار رؤية أو بخيار شرط للمشتري ثم سقط الحائط أو أتلف شيئا لا يجب الضمان إلا بإشهاد مستقبل بعد الرد * ولو كان الخيار للبائع فإن نقض البيع ثم سقط الحائط وأتلف شيئا كان ضامنا لأن خيار البائع لا يبطل ولاية الإصلاح فلا يبطل الإشهاد * ولو أسقط البائع خياره وأوجب البيع بطل الإشهاد لأنه أزال الحائط عن ملكه * وفي إخراج الكنيف والجناح والميزاب لا يبطل الضمان بشيء من هذه الأسباب * ولو كان الحائط المائل رهنا فأشهد على المرتهن ثم سقط الحائط فأتلف شيئا كان هدرا لأن المرتهن لا يملك الإصلاح والمرمة * ولو أشهد على الراهن وسقط الحائط وأتلف شيئا كان ضامنا لأن الراهن لا يملك الإصلاح بأن يقضي دينه ويسترد الرهن * ولو كان الحائط المائل ميراثا لورثة فأشهد على بعض الورثة القياس أن لا يجب الضمان بسقوط الحائط لأن أحد الشركاء لا يملك نقض الحائط * وفي الاستحسان يضمن هذا الوارث الذي أشهد عليه بحصة نفسه لأنه متمكن من أن يطلب من الشركاء ليجتمعوا على هدمه * ولو أشهد على من كان ساكنا في الدار التي حائطها مائل لا يصح الإشهاد عليه سواء كان ساكنا بأجر أو بغير أجر لأنه لا يتمكن من نقض الحائط * ولو أشهد على رب الدار صح الإشهاد حتى يضمن ما تلف بسقوط الحائط لأنه متمكن من النقض * ولو كانت الدار لصغير فأشهد على الأب او الوصي صح الإشهاد لأنهما يملكان الإصلاح فإن سقط الحائط أو أتلف شيئا كان الضمان على الصغير لأن الأب والوصي يقومان مقامه وكان الإشهاد عليهما كالإشهاد على الابن بعد البلوغ فإن مات الأب أو الوصي بعد الإشهاد عليهما بطل الإشهاد حتى لو سقط الحائط بعد ذلك وأتلف شيئا كان هدرا لأن ولايتهما انقطعت بالموت * وفي المنتقى رجل مات وترك دار حائطها مائل إلى الطريق ولم يترك الميت شيئا سوى هذه الدار وعليه دين أكثر من قيمة هذه الدار وترك ابنا لا وارث له سواه فإن الإشهاد في الحائط المائل يكون على الابن وإن لم يملكها الابن * وإن سقط الحائط بعد أن أشهد على الابن وأتلف شيئا إن أتلف إنسانا كانت الدية على عاقلة الأب لا على عاقلة الابن * وإن أشهد الرجل على حائط من دار في يده فلم يهدمه حتى سقط على رجل فقتله وأنكرت العاقلة أن تكون الدار له أو قالوا لا ندري أن الدار له أو لغيره فلا شيء عليهم حتى يقيم البينة على أن الدار له لأن قيام اليد على الدار وإن كان دليلا على الملك له ظاهرا إلا أن الظاهر لا يصلح حجة لوجوب المال على العاقلة فلا يجب المال على العاقلة إلا بإثبات ثلاثة أشياء * أحدها أن تكون الدار له * والثاني أنه أشهد عليه في هدم الحائط * والثالث أن المقتول مات بسقوط الحائط عليه * فإن أقر ذو اليد أن الدار له لم يصدق على العاقلة ولا يجب الضمان عليه قياسا لأنه أقر بوجوب الدية على العاقلة والمقر على الغير إذا كان مكذبا في إقراره لا يضمن شيئا * وفي الاستحسان عليه دية القتيل إن أقر بالإشهاد عليه لأنه أقر على نفسه بالتعدي فإذا تعذر الإيجاب على العاقلة بطريق التخمل يجب عليه كمن أخرج جناحا من دار في يده فوقع الجناح على إنسان فقتله فقالت العاقلة ليست الدار له وإنه إنما أخرج الجناح بأمر صاحب الدار وذو اليد يقر أن الدار له فإنه يضمن الدية في ماله وكذلك هنا * وإذا كان الرجل على حائط له والحائط مائل أو غير مائل فسقط الحائط بالرجل من غير فعله وأصاب إنسانا فقتله كان ضامنا لما هلك بالحائط إن كان أشهد عليه في الحائط ولا ضمان عليه فيما سواه وإن كان هو سقط من الحائط على إنسان من غير أن يسقط به الحائط وقتل إنسانا كان ضامنا دية المقتول بمنزلة نائم انقلب على إنسان فقتله فإنه يكون ضامنا * وإن مات الساقط بمن كان في الطريق فإن كان ذلك يمشي في الطريق فلا ضمان عليه لأنه غير متعد في المشي في الطريق ولا يمكنه التحرز عن سقوط غيره عليه * وإن كان ذلك الرجل واقفا في الطريق قائما كان أو قاعدا أو نائما كان دية الساقط عليه لأنه متعد في الوقوف في الطريق والقعود والنوم فيكون ضامنا لما تلف به * وإن كان ذلك في ملكه لا ضمان عليه لانه لا يكون متعديا في الوقوف والقعود والنوم في ملكه وعلى الأعلى ضمان الأسفل إن مات الأسفل به في الأحوال كلها لان الأعلى مباشر قتل الأسفل وفي المباشرة الملك وغير الملك سواء كمن نام في ملكه فانقلب على إنسان فقتله كان ضامنا لأنه باشر قتله * إذا شهد على الحائط المائل عبدان أو كافران أو صبيان ثم أعتق العبدان وأسلم الكافران وبلغ الصبيان ثم سقط الحائط المائل فأصاب إنسانا فقتله يضمن صاحب الحائط * وكذا لو سقط الحائط قبل عتق العبدين وإسلام الكافرين وبلوغ الصغيرين ثم شهدا جازت شهادتهما لأنهما من أهل الأداء * لقيط له حائط مائل فأشهد عليه فسقط الحائط وأتلف إنسانا كانت دية القتيل في بيت المال لان صاحب الدار كان متمكنا من الهدم والإصلاح فإذا لم يفعل ضمن ويكون ضمان جنايته في بيت المال لان ميراثه يكون لبيت المال فجنايته تكون في بيت المال * وكذا الكفر إذا أسلم ولم يوال أحد فهو كاللقيط * حائط مال إلى دار قوم فأشهد عليه القوم أو أحدهم ثم سقط الحائط وأتلف شيئا من القوم أو من غيرهم كان ضامنا * وكذا العلو إذا وهى أو تصدع فأشهد أهل السفل على أهل العلو * وكذلك الحائط أعلاه لرجل وأسفله لآخر * وهذا بخلاف الحائط إذا كان مائلا إلى الطريق في حكمين أحدهما إن الإشهاد على الحائط المائل إلى ملك إنسان يكون من المالك لا من غيره وفي الطريق يصح من كل واحد * والثاني أن في الحائط المائل إلى ملك إنسان لو أخره صاحب الملك بعد الإشهاد أو أبرأه يصح وفي الحائط المائل إلى الطريق لا يصح التأخير والإبراء من الذي أشهد * حائط مائل لشريكين أشهد على أحدهما فهو بمنزلة الحائط المشترك بين الورثة إذا أشهد على أحدهم وقد ذكرنا ثم القياس والاستحسان فهنا كذلك * حائط لرجل بعضه مائل إلى الطريق وبعضه مائل إلى دار قوم فأشهد عليه أهل الدار فسقط ما كان مائلا إلى الدار على أهل الدار كان صاحب الحائط ضامنا لأن الحائط واحد فصح الإشهاد من أهل الدار فيما كان مائلا إلى ملكهم وفيما كان مائلا إلى الطريق فأهل الدار من جملة العامة فصح إشهادهم * وإن كان الذي أشهد على صاحب الحائط من غير أهل الدار صح إشهاده فيما كان مائلا إلى الطريق وإذا صح الإشهاد في البعض صح في الكل * حائط بعضه صحيح وبعضه واه فأشهد عليه فسقط الواهي وغير الواهي وقتل إنسانا يضمن صاحب الحائط إلا أن يكون الحائط بحيث وهي بعضه ولم يه البعض فحينئذ يضمن ما أصاب الواهي منه ولا يضمن ما أصاب الذي لم يه لأن الحائط إذا كان بهذه الصفة يكون بمنزلة حائطين أحدهما صحيح والآخر واه فالإشهاد يصح في الواهي لا في الصحيح * حائطان أحدهما مائل والآخر صحيح فأشهد على المائل فلم يسقط وسقط الصحيح وأتلف شيأ كان هدرا * عبد تاجر له حائط مائل فأشهد عليه فسقط الحائط فأتلف إنسان كانت الدية على عاقلة مولاه كان على العبد دين أو لم يكن * وإن أتلف الحائط مالا فضمان المال يكون في عنق العبد يباع فيه * وإن أشهد على المولى صح الإشهاد أيضا لأنه إن لم يكن على العبد دين فالحائط يكون لمولاه وإن كان عليه دين كان لمولاه ولاية الاستخلاص بأن يقضي الدين من مال نفسه فيكون المولى بمنزلة المالك * سفل لرجل وعلو لآخر وهى الكل فأشهد عليهما ثم سقط العلو وقتل إنسانا كان الضمان على صاحب العلو لأن العلو غير مدفوع بل سقط بنفسه فصح الإشهاد فيه على صاحبه فما هلك بالعلو يضمن صاحبه * رجل أشهد على حائط مائل له إلى الطريق فسقط الحائط على إنسان وقتله ثم عثر رجل بنقض الحائط وعطب وعثر رجل بالقتيل وعطب كان ضمان القتيل الأول وضمان من هلك بنقض الحائط وضمان من هلك بالقتيل الأول لا يكون على صاحب الحائط لأن رفع القتيل من الطريق يكون إلى أوليائه لا إلى صاحب الحائط ورفع النقض يكون على صاحب الحائط * ولو كان جناحا أخرجه إلى الطريق أو كنيفا فسقط وقتل إنسانا ثم عثر رجل بنقض الجناح ورجل بالقتيل فعطبا كان ضمانهما على صاحب الجناح والكنيف لأن إخراج الكنيف والجناح مباشرة للجناية فيجعل كأنه ألقى عليهما * ومن ألقى شيئا في الطريق كان ضامنا لما هلك به وإن كان لا يملك رفعه * حائط لرجل فسقط قبل الإشهاد ثم أشهد على صاحبه في رفع النقض من الطريق فلم يرفع حتى عثر به آدمي أو دابة وعطب كان ضامنا * رجل أشهد عليه في حائط مائل له وسقط ذلك الحائط على حائط رجل آخر فهدمه ثم عثر رجل بنقض الحائط الأول ورجل بنقض الحائط الثاني فعطبا فضمان الحائط الثاني على صاحب الحائط الأول وله الخيار إن شاء ضمنه قيمة الحائط وترك النقض عليه وإن شاء أخذ النقض ولا شيء له فيكون النقض لصاحبه فمن عثر بنقض الحائط الثاني فدمه هدر لأن نقض الحائط الثاني ملك لصاحبه ولا يملك صاحب الأول رفعه * ولو كان الأول أخرج جناحا يضمن الأول من عثر بالثاني وعطب وإن كان لا يملك رفعه * ولو كان الحائط الثاني ملك صاحب الحائط الأول يضمن أيضا صاحب الحائط من عثر بالثاني لأنه لا يملك رفعه عن الطريق والله أعلم
صفحة ٢٨٨