413

الفقيه و المتفقه

محقق

أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي

الناشر

دار ابن الجوزي

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٢١ ه

مكان النشر

السعودية

كَيْفَ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَى قِيَاسٍ أَوْ فِطْرَةِ عَقْلٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْلِ غَايَةٌ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَايَةٌ يَنْتَهِي إِلَيْهَا سَقَطَ الْقِيَاسُ " قُلْتُ: التَّعَبُّدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّعَبُّدُ فِي الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ لَا لِعِلَّةٍ مَعْقُولَةٍ، فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى الثَّانِي: التَّعَبُّدُ لِعِلَلٍ مَقْرُونَةٍ بِهِ، وَهِيَ الْأُصُولُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَامًا لِلْفُقَهَاءِ، فَرَدُّوا إِلَيْهَا مَا حَدَثَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ عِنْدَ تُسَاوِي الْعِلَلِ مِنَ الْفُرُوعِ بِالْأُصُولِ، وَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُشَارِكَ الْفَرْعُ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ الْمَعَانِي، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَكَانَ الْأَصْلُ هُوَ الْفَرْعُ، وَلَمَّا كَانَ يَتَهَيَّأُ قِيَاسُ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِأَقْرَبَ الْأُصُولِ بِهِ شَبَهًا، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ فِي الصَّيْدِ بِالْمِثْلِ فِي النَّعْمِ، وَحَكَمُوا فِي النَّعَامَةِ بِالْبَدَنَةِ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقَانِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْقِيَمِ وَالْأَمْثَالِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُتْلَفَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِطَابٌ يَتَضَمَّنُ كَلِمَتَيْنِ مَعْنَاهُمَا فِي الظَّاهِرِ وَاحِدٌ، وَأَمْكَنَ حَمْلُ كُلِّ كَلِمَةٍ عَلَى فَائِدَةٍ فُعِلَ ذَلِكَ مِثَالُهُ مَا:
أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو دَاوُدَ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ؟ قَالَ ⦗٥٤٩⦘: «لَئِنْ قَصَّرْتَ فِي الْخُطْبَةِ، لَقَدْ عَرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَمَا هُمَا سَوَاءٌ؟ قَالَ: «لَا، عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تُفْرَدَ بِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا» فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ: أَنَّ الْكَلِمَةَ مِنْ خِطَابِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهَا عَلَى الْإِفَادَةِ لَمْ تُحْمَلْ عَلَى التَّكْرَارِ وَالْإِعَادَةِ، وَلِذَلِكَ طَالَبَهُ الْأَعْرَابِيُّ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَرَاجَعَهُ الْكَلَامَ فِيهِمَا فَيَنْبَغِي إِنْعَامُ النَّظَرِ فِي الْآثَارِ وَالسُّنَنِ، وَالتَّفْتِيشُ عَنْ مَعَانِيهَا، وَالْفِكْرُ فِي غَوَامِضِهَا، وَاسْتِنْبَاطُ مَا خَفِيَ مِنْهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ جَدِيرًا بِلَحَاقِ مَنْ سَبَقَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالتَّبْرِيزِ عَلَى الْمُعَاصِرِينَ لَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ

1 / 548