الفلك المشحون فيما يتعلق بانتفاع المرتهن والمرهون

[مقدمة المؤلف]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أوضح لنا الحلال والحرام، وبين لنا مشتبهات الأحكام، أشهد أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد الأنام، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم القيامة.

أما بعد:فيقول الراجي عفو ربه القوي أبو الحسنات محمد عبدالحي اللكنوي ابن مولانا الحاج الحافظ محمد عبد الحليم أدخله الله جنة النعيم: هذه رسالة مسماة ب:

((الفلك المشحون(1)فيما يتعلق بانتفاع المرتهن بالمرهون))

ألفتها امتثالا لأمر بعض الأحباب وخلص الأصحاب راجيا من الله تعالى أن يرشد بها الكاملين، ويهدي بها الجاهلين.

وهي مرتبة على فصلين وخاتمة :

- الفصل الأول -

في ذكر اختلاف الأئمة مع ذكر الأدلة

اعلم أن الأئمة اختلفوا في أنه هل يجوز للمرتهن أو الراهن الانتفاع بالمرهون أم لا؟

فقال أبو حنيفة: لا يملك الراهن الانتفاع به.

وقال الشافعي: للراهن أن ينتفع به ما لم يضر بالمرتهن.

ومنع أبو حنيفة ومالك والشافعي انتفاع المرتهن به خلافا لأحمد كذا في ((مقتضب الإيضاح)).

صفحة ٨

والأصل في الباب حديث: ((الظهر يركب إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته))(1).

أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا.

وأخرج أبو داود عنه(2)قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونا، والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يحلب ويركب النفقة))

قال أبو داود: وهو عندنا صحيح . انتهى(3).

وأخرج الترمذي عنه مرفوعا: ((الظهر يركب إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته)).

صفحة ٩

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عامر الشعبي عن أبي هريرة، وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفا.

والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق.

وقال بعض أهل العلم: ليس له أن ينتفع من الرهن بشيء. انتهى(1).

وأخرجه البخاري بلفظ: ((الرهن(2)يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته))(3).

صفحة ١٠

وأخرجه الحاكم(1)والدارقطني(2)من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((الرهن مركوب ومحلوب))(3).

قال الحافظ ابن حجر(4)في ((تلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الرافعي(5)الكبير)): أعل بالوقف، وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: رفعه مرة ثم ترك الرفع بعد. ورجح الدارقطني والبيهقي(6)رواية من وقفه على من رفعه ونحوه رواية الشافعي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. انتهى(7).

صفحة ١١

فهذا الحديث بظاهره يدل على جواز الانتفاع بالمرهون كالركوب إذا كان دابة وشرب اللبن إذا كان غنما ذات در بفتح الدال وتشديد الراء، أي لبن ونحو ذلك، وبه أخذ أحمد وغيره، وحمله الشافعي على الراهن وجوز الانتفاع له.

قال السيوطي(1) في ((مرقاة الصعود شرح سنن أبو داود)): تأوله الشافعي على الراهن، وأحمد على المرتهن. انتهى.

وقال القسطلاني(2)في ((إرشاد الساري شرح صحيح البخاري)): احتج به الإمام أحمد حيث قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك، وأجمع الجمهور على أن المرتهن لا ينتفع من الرهن بشيء.

قال ابن عبد البر(3): هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر: ((لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه))(4). انتهى.

صفحة ١٢

وقال إمامنا الشافعي: يشبه أن يكون المراد لم يمنع(1)الراهن من درها وظهرها، فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن.

وقال الحنفية ومالك وأحمد في رواية عنه: ليس للراهن ذلك؛ لأنه ينافي حكم الرهن، وهو الحبس الدائم. انتهى(2).

وفي ((الجامع الصغير)) للسيوطي و((شرحه))(3)للعزيزي: الرهن أي الظهر المركوب يركب بنفقته ويشرب لبن الدر، قال العلقمي(4): بفتح المهملة وتشديد الراء مصدر بمعنى الدارة أي ذات الضرع، ويركب ويشرب بالبناء للمجهول وهو خبر بمعنى الأمر، لكن لا يتعين فيه المأمور إذا كان مرهونا، أي يجوز للمرتهن ذلك بإذن الراهن، وإذا هلك لا ضمان عليه، وقال أحمد وإسحاق وطائفة: يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون إذا قام بمصالحه وإن لم يأذن له المالك، ((خ)): أي رواه البخاري عن أبي هريرة. انتهى.

صفحة ١٣

وفيه أيضا: الظهر: أي ظهر الدابة المرهونة يركب بنفقته إذا كان مرهونا، أي يركبه الراهن وينفق عليه عند الشافعي ومالك؛ لأن له الرقبة، وليس للمرتهن إلا التوثق أو المراد: المرتهن له ذلك بإذن الراهن.

واستدل طائفة بالحديث على جواز انتفاع المرتهن بالمرهون إذا قام بمصلحته، وإن لم يأذن له المالك، وحمله الجمهور على ما تقدم.

ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة وهو الراهن، وكذا عليه نفقته وإن لم ينتفع به، ((خ)) عن أبي هريرة أي رواه البخاري والترمذي. انتهى.

صفحة ١٤

وفي ((مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار(1))) لابن ملك(2): ((خ)) عن أبي هريرة أي روى البخاري عنه: الرهن يركب بنفقته ويشرب لبن الدر، أي ذات الدر وهو اللبن إذا كان مرهونا، يعني إذا أراد المرتهن أن يركب المرهون أو يشرب لبن المرهونة بدون إذن الراهن فله ذلك حتى لو هلك الرهن بركوبه لا يضمن شيئا للراهن، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة، يعني نفقته بقدر ركوبه وشربه، وبظاهر الحديث عمل أحمد بن حنبل، وقال غيره: لا يجوز انتفاع المرتهن به، لكن منافعه كاللبن ونحوه يكون للراهن عند الشافعي، ويكون رهنا كالأصل عندنا. انتهى.

صفحة ١٥

وفي ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي(3): حدثنا علي بن شيبة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا))(1).

فذهب قوم إلى أن للراهن أن يركب الرهن بحق نفقته إليه ويشرب لبنه أيضا، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس للراهن أن يركب الرهن ويشرب لبنه وهو رهن معه، وليس له أن ينتفع بشيء، وكان من الحجة لهم أن هذا الحديث مجمل لم يبين فيه من الذي يركب ويشرب اللبن، فمن أين جاز لهم أن يجعلوه للراهن دون أن يجعلوه للمرتهن، ومع ذلك فقد روى هذا الحديث هشيم وبين فيه مالم يبين يزيد بن هارون.

حدثنا أحمد بن داود حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الصائغ حدثنا هشيم عن زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة مرفوعا: ((إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقتها)).

فدل هذا الحديث أن المعني بالركوب وبشرب اللبن في الحديث الأول هو المرتهن، فجعل ذلك له، وجعلت النفقة بدلا مما يتعوض منه مما ذكر وكان هذا عندنا، والله أعلم في وقت ما كان الربا مباحا، ولم ينه حينئذ عن القرض الذي يجر منفعته، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك وحرم كل قرض جر نفعا، وأجمع أهل العلم على أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن.

صفحة ١٦

وقد حدثنا فهد نا أبو نعيم حدثنا الحسن بن صالح عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لا ينتفع من الرهن بشيء. انتهى(1).

وقد ظهر من هذه العبارات وغيرها من كلمات الثقات أنهم اختلفوا في الحديث المذكور على أقوال:

أحدها: حمله على انتفاع الراهن، وهو مسلك الشافعية.

وثانيها: حمله على انتفاع المرتهن مطلقا، وإن لم يأذن له الراهن، وهو مسلك إمام الحنابلة.

وثالثها: حمله على انتفاع المرتهن بإذن الراهن، وهو مسلك جمهور علماء الأمة.

ورابعها: كونه منسوخا بتحريم القرض مع جر المنفعة.

ولا يخفى على المنصف الغير المتعسف أن أولى الأقوال فيه هو حمله على انتفاع المرتهن عند إذن الراهن، لكن بشرط أن لا يكون مشروطا حقيقة أو حكما، كما سيأتي فيما يأتي.

وأما حمله على جواز انتفاع المرتهن مطلقا، فيخالفه الأصول الشرعية، والقواعد الممهدة النقلية الثابتة بالآيات البينة والأحاديث الثابتة أنه لا يجوز الانتفاع بملك الغير بدون إذنه صريحا أو دلالة، فإنه لا شك أن المرهون مملوك للراهن، وليس للمرتهن إلا حق الحبس والتوثق، فكيف يجوز له التصرف بغير إذن الراهن، وإليه أشار ابن عبد البر المالكي كما مر نقله(2)عن ((إرشاد الساري)).

صفحة ١٧