الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة والأمراء

محمود بن إسماعيل بن إبراهيم الجذبتي ت. 843 هجري
46

الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة والأمراء

الناشر

مكتبة نزار مصطفى الباز

مكان النشر

الرياض

قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، نزه رَبك أَن يراك حَيْثُ نهاك، أَو يفقدك حَيْثُ أَمرك. قَالَ: فَبكى سُلَيْمَان بكاء شَدِيدا، فَقَالَ لَهُ رجل من جُلَسَائِهِ: أَسَأْت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ لَهُ أَبُو حَازِم: اسْكُتْ فَإِن الله تَعَالَى أَخذ على الْعلمَاء ميثاقهم ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه. فَلَمَّا دخل سُلَيْمَان منزله أنفذ إِلَيْهِ جملَة من الدَّنَانِير، فَقَالَ أَبُو حَازِم لرَسُوله: ردهَا إِلَيْهِ، وَقل لَهُ: وَالله مَا أرضاها لَك، فَكيف أرضاها لنَفْسي؟ خُذْهَا فَأَنت المحاسب عَلَيْهَا. كَمَا حُكيَ أَن هِشَام بن عبد الْملك - كَانَ من خلفاء بني أُميَّة - فَسَأَلَ يَوْمًا أَبَا حَازِم: مَا التَّدْبِير فِي النجَاة من أُمُور الْخلَافَة؟ فَقَالَ: أَن تَأْخُذ كل دِرْهَم من وَجه حَلَال، وَأَن تضعه فِي مَوضِع حق. فَقَالَ: من يقدر على هَذَا؟ فَقَالَ: من يرغب فِي نعيم الْجنان، ويهرب من عَذَاب النيرَان. وَالثَّانِي مِنْهَا: أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّا جعلناك خَليفَة﴾ (ص ٢٦) يَعْنِي: أَخذنَا الْخلَافَة من الْغَيْر: ثمَّ أعطيناك، فَإِذا لم تُؤَد حق هَذِه النِّعْمَة، وَلم تشكر الله - تَعَالَى - بِمُقَابلَة هَذِه النِّعْمَة، أَخذنَا مِنْك الْخلَافَة وأعطيناها غَيْرك، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء﴾ " آل عمرَان: ٢٥ ". فَيَنْبَغِي للملوك أَن يعملوا فِي هَذِه المملكة الْعَارِية الفانية - الْعدْل وَالْعَمَل الصَّالح، ليحصل بِهِ سلطنة المملكة الْبَاقِيَة، وَيكون قصدهم أَلا يَكُونُوا محرومين فِي الدُّنْيَا من الثَّنَاء الْجَمِيل، وَفِي الْآخِرَة من الْأجر الجزيل.

1 / 149