459

الدر المصون

محقق

الدكتور أحمد محمد الخراط

الناشر

دار القلم

مكان النشر

دمشق

كانَ كذلك، ولم تعتبر العربُ في كلامِها، وإنما أجاز النحويون «قام القومُ إلا زيدٌ» بالرفع على الصفة كما تقدَّم تقريرُه.
و«منكم» صفةٌ لقليلًا، فهي في محلِّ نصبٍ أو رفعٍ على حَسَب القراءتين. والظاهرُ أن القليلَ مرادٌ بهم الأشخاصُ لوَصْفِه بقوله «منكم» . وقال ابن عطية: «ويُحتمل أَنْ تكونَ القلةُ في الإِيمان، أي: لم يَبْقَ حينَ عَصَوا وكَفَر آخرُهم بمحمدٍ ﷺ إلا إيمانٌ قليلٌ إذ لا ينفعهم، والأولُ أقوى» انتهى. وهذا قولٌ بعيدٌ جدًا أو ممتنعٌ.
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «تَوَلَّيْتُم» . وفيها قولان، أحدُهما: أنَّها حالٌ مؤكِّدةٌ لأنَّ التولِّيَ والإِعراضَ مترادفان. وقيل: مبيِّنةٌ، فإن التولِّيَ بالبدنِ والإِعراضَ بالقلبِ، قاله أبو البقاء: وقال بعدَه: «وقيل: تَوَلَّيْتم يعني آباءهم، وأنتم مُعْرِضُون يعني أنفسَهم، كما قال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾ [الأعراف: ١٤١] أي: آباءَهم» انتهى. وهذا يُؤَدِّي إلى [أنّ] جُمْلَةَ قوله ﴿وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ لا تكون حالًا، لأنَّ فاعلَ التولِّي في الحقيقة ليس هو صاحبَ الحال والله أعلم. وكذلك تكون مبيِّنةً إذا اختَلَفَ متعلَّقُ التولِّي والإِعراضِ كما قال بعضُهم: ثم تَوَلَّيْتم عن أَخْذِ ميثاقكم وأنتم مُعْرِضون عن هذا النبيِّ ﷺ، وقيل: التولِّي والإِعراضُ مأخوذان من سلوك الطريق، وذلك أنه إذا سَلَكَ طريقًا ورجَع عَوْدَه على بَدْئِه سُمِّي ذلك تولِّيًا، وإنْ سَلَكَ في عُرْضِ الطريقِ سُمِّي إعراضًا وجاءَتِ الحالُ جملةً اسميةً مصدَّرةً ب «أنتم» لأنه آكد. وجيء بخبرِ المبتدأ اسمًا لأنه أدلُّ على الثبوتِ فكأنه قيل: وأنتم عادَتُكم التولِّي عن الحقِّ والإِعراضُ عنه.

1 / 472