الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم
[الفصل] الأول: منها: الذي بنينا عليه في شأن الوصايا صدرا من دعوتنا، عدم التعرض لبيعها، والإعراض عن ذلك احتياطا، وعدم اطلاع على حقائق الأحوال في ذلك، واستغناء عنها، لعدم توسع باب الجهاد وتجنيد الأجناد أول الأمر، ثم لما اتسعت المكالف، وتكاثرت المطالب، وتعددت أنواع المشاق والأثقال التي تفتقر إلى سعة بيت المال، ومصير الاحتياط مرجوحا بضيق المجال وضرورة الحال، واطلعنا على عدم نفع أكثر الوصايا ومصيرها إلى مصرفها، صدر منا البيع لشيء منها، وهو ما جهل حاله ومصرفه، والتبس أمره، ولم ندر ما قصد به الموصي، وما كان من أموال العوام الملتبسة المختلطة المقطوع بكونها بيت مال، لكونها متظالمة (1) لا يجري فيها حكم الشريعة المطهرة، ولا تقسم على قانون الفرائض، ولا يجري في بيعها وشرائها على سنن، فإن ما كانت هذه صفته خلفا عن سلف لا شك في خروجه عن ملك الآدميين، ومصيره من أموال الله، فلقد شاهدنا في عصرنا كثيرا ما يموت الميت من العوام، منكري الشريعة ومجانبي سلوك سبيل التوريث، وله ورثة، فيحكمون بالمال لمن لا شيء له من ميراثه بالشرع الشريف، من غير تردد منهم ولا تأثم، مثلا أن يموت رجل وله زوجة وبنات وأخوات وابن أخ أو ابن عم، فيصير المال كله إلى ابن العم، ولا يصير إلى ورثته شيء، وما كان وصية مطلقة لا ينتفع بها قد صارت تحت يد من لا يخلصها ولا يصرف غلتها في مصرفها، ولا يمكن تغيير ذلك إما لتمرده وعدم القدرة عليه، أو لأن غيره لا يمكن أن يباشرها، أو لغير ذلك، وفي هذا النوع كثرة، فإن أكثر الوصايا في أكثر الجهات قد أجريت مجرى الأملاك فصارت تنتقل من يد إلى يد بالبيع والشراء، ولا يمكن تخليصها عن ذلك، وما كان موصى به لمسجد قد هجر، أو انهدم، أو خلت بلده، أو أيس عن عوده، أو عود الإنتفاع به، وما كان موصى به لحمام مكة، أو للنمل، أو نحو ذلك، وما كان موصى به عن الكفارات أو الحقوق وموقوفا عنها، وما كان قد انقطع مصرفه، ونحو ذلك، ولا أعلم أنا بعنا وصية في بقائها نفع مستدام، ولا وصية لها مصرف معين غير ما ذكرتم، ثم أنا لا نبيع إلا بالقيمة الكاملة غالبا، وقد نستقصي حتى يزداد الثمن على القيمة ولا ينقص عنها إلا لموجب راجح واضح، فإذا تأملت الأمر عرفت أن الذي كنا نستهجنه وننكره بيع الوصايا على خلاف هذه الكيفية، كبيع وصايا المساجد المعمورة المأنوسة، وبيع ماله مصرف معين، والبيع بالتافه، فهذا حكمنا في ما باشرناه من ذلك، والله ولي التوفيق.
صفحة ٤٩٧