430

الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم

وعلى الشجي كآبة وهموم (1) ومنها مخالفة اجتهاد ذي الملام لاجتهاد الإمام، فيما مرجعه إلى الاجتهاد، وما هو من قبيل الآراء والتدبير، فمن المعلوم أنه لا يكاد يطابق الرأي من اثنين في كل شيء، وكما يقول أهل علم الكلام: من حق كل قادرين اختلاف مراديهما، فيقطع اللائم بقبح اجتهاد الإمام، ويلسعه على ذلك بحمة الملام، ويعتقد أن رأيه هو الصائب دون رأي غيره، ويعد الأمور الصادرة المخالفة لرأيه مساوي ومثالب، وكثيرا ما يكون الأمر بالعكس.

ولو أنصفت في حكمها أم مالك

إذن لرأت تلك المساوي محاسنا

وقد ذكرنا في دعوتنا العامة كلاما في هذا المعنى، وما يتوجه في المحامل الحسنة وكيفية المباحثة فيما لم يجد عن البحث عنه بدا، وهو كلام جدير أن يكتب بماء الذهب، لكنه نسي وأضيع فبطل نفعه وذهب.

والداعي إلى ذكر هذه النبذة اللطيفة، والإشارة الوجيزة الخفيفة، أنه ورد علينا وانتهى إلينا كتاب من بعض الأفاضل، النبلاء الأماثل، يتضمن طرفا من الانتقاد والمناقشة التي يصدر مثلها ويعتاد، على أنه من أهل الوداد، ومعدود من أفاضل الأصحاب، وممن لا يليق أن يثبت في حقه سبب من تلك الأسباب، ونحن نجيب ما يفتقر إلى الجواب، من ألفاظ ذلك الكتاب، والله الموفق للصواب.

قال -ثبتنا الله وإياه-: هذه نصيحة صدرت من ناصح الجيب، التي هي بعون الله وتوفيقه من شين الريب... إلى آخره.

أقول: لا كلام في توجيه النصيحة، على ذوي المودة والديانة الصحيحة، وكفى بالخبر المشهور وهو «الدين النصيحة»، والظن غالبا بأن الكاتب قصد النصح، وإن كان كلامه مخرجا مخرج المناقشة والمناقدة، لا مخرج المناصحة والموادة، فلكل من النوعين سياق وكيفية، لا يخفى على مثله من أهل الكمال والألمعية، ولكن الأعمال بالنيات، وإذا حسن القصد فلا تعويل على صورة العمل، ولا التفات.

صفحة ٤٧٦