الدر المنثور في طبقات ربات الخدور
الناشر
المطبعة الكبرى الأميرية
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٣١٢ هـ
مكان النشر
مصر
بيت خالتها لتلد فيه. فلما دخلت عليها قامت أم يحيى واستقبلتها وأدخلتها ثم قالت لها: يا إلى مريم، شعرت أني حاملة وأنك أنت أيضًا حاملة مثلي فإني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
ولما أقامت في بيت خالتها أوحى الله إليها إنك إن ولدت بجهة قومك قتلوك أنت وولدك فاخرجي من عندهم. فأخذها يوسف النجار ابن عمها وخرج بها هاربًا وقد حملها على حمار حتى أتى قريبًا من أرض مصر أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة وكان ذلك في زمن الشتاء، وكانت هذه النخلة يابسة ليس لها سعف ولا كراسيف وهي في موضع يقال له بيت لحم. قال: فلما اشتد الأمر بمريم تضرعت على ربها و(قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا) (مريم: ٢٣)، فنوديت أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (وهزي غليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبًا جنيًا) (مريم: ٢٥) .
فلما ولدت ونزل الغلام من بطنها ناداها وكلمها بإذن الله تعالى. وقد أجرى الله لها نهرًا من ماء عذب بارد ولما يسر الله لها أسباب ولادتها رجعت به إلى قومها وكانت قد غابت عنهم أربعين يومًا فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وقالوا: (يا مريم لقد جئت شيئًا فريًا يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كنت أمك بغيًا) (مريم: ٢٨) فمن أين لك هذا الولد فأشارت لهم مريم إلى الصبي أن كلموه. فغضبوا وقالوا: (كيف نكلم من كان في المهد صبيًا) (مريم: ٢٩) فقال عند ذلك الصبي وهو ابن أربعين يومًا (إني عبد الله ءاتني الكتب وجعلني نبيًا وجعلني مباركًا أين ما كنت وأوصاني بالصلوة والزكوة مادمت حيًا وبرًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيًا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا) (مريم: ٣٠-٣٣) .
فلما شاع خبره بين قومه أراد "هيردوس" ملكهم أن يهم بقتله فأخدهما يوسف النجار وهرب إلى مصر، فأقامت مريم بمصر اثنتي عشرة سنة تغزل الكتان وتلتقط السنبل في أثر الحاصادين إلى أن بلغها أن "هيردوس" الملك قد مات فرجعت هي وابن عمها يوسف النجار إلى أن أتوا إلى جبل يقال له: الناصرة فسكنوا فيه إلى أن بلغ ولدها من العمر ثلاثين سنة، ثم خرجوا إلى قومهم وقيل: إن وفاتها قبل رفع ولدها عيسى ﵇ بست سنين.
مدام نكر
هي ابنة رجل فقير الحال من خدمة الدين اشتهرت في حداثتها بجمالها وآدابها ورآها المؤرخ "كين" الإنكليزي الشهير، وكان سائحًا في أوروبا فراعه جمالها وذكاؤها، ووقعت منه موقعًا عظيمًا، وعزم على الاقتران بها، ثم رجع إلى بلاده وكاشف أباه بذلك، فلم يسلم له، بل تهدده بطرده من بيته وحرمانه من ميراثه إن فعل فوقع "كين" بين عصيان الهوى وعقوق الوالدين، فاختار أصغرهما -وهو الأول- وبقيت محبة هذه الفتاة في فؤاده ثم استحالت مع الأيام إلى الإكرام والاعتبار. وبعد قليل مات أبوها ولم يخلف مالًا تعيش به، فأقلعت إلى مدينة "جنيفا" تعلم وتعيش من أجرة التعليم، وهناك رآها المسيو "نكر"، وكان كاتبًا في أحد البنوك، فأحبها وعزم على أن يقترن بها حينما تنصلح أموره.
ولم يمض عليه سنون كثيرة حتى صار من كبار الأغنياء، فتزوج بها سنة ١٧٦٤ م، واتخذها معينة له ومشيرة وأحبها حبًا مفرطًا وهي كانت أهلًا لمحبته واعتباره لأنها جعلت غرضها من الحياة إرضاءه، ودخلت باريس وعمرها ٢٥ سنة وهي غير معتادة على المعيشة في المدن الكبيرة ولا متربية تربية تؤهلها للدخول بين أهل الجاه والمجد وكان بباريس حينئذٍ أشهر فلاسفة فرنسا وكتابها فسولت لها نفسها أن تجعل لزوجها مقامًا بين علمائها مثل مقامه بين أغنيائها، ففتحت بيتها لهؤلاء الفلاسفة وجعلته ناديًا لهم، وكانت ترحب بهم وتجول معهم في الحديث وتحاول أن تقتادهم إل
1 / 496