أي أنه يطلب من شبابنا الأدباء ألاّ يروا في الحياة إلا اللهو واللعب، وأن يكون كل مطلبهم منها لذّتهم فيها. يريد منهم أن يكتفوا بوصف أحزان نفوسهم وأشجانها عن تصوير شقاء الأمة وعذابها ... كلا يا أستاذ! فنحن في حرب، في نضال للاستقلال، في معركة، وأدباؤنا قُوّادنا. فماذا تكون حال جيش تركه قُوّاده في المعركة تحت أزيز الرصاص ودويّ القنابل، وراحوا يفتّشون عن الجمال في ميدان المعركة ليصفوه ويَنْظموا فيه الأشعار ويتخذوا من أدبهم «أُلهية شريفة» يفرّجون بها عن أنفسهم همَّ أنفسهم وغمها؟
كلا يا أستاذ! بل أدباء يلقون بأنفسهم في غمرات هذه الحرب متخذين من أدبهم سلاحًا لأمتهم ماضيًا ولواء لها مرفوعًا، يكون باعثًا لعزمها لا مخدرًا لأعصابها. فإذا انتهت المعركة وانجلى الغبار، وآبوا بالنصر وأصبح لهم في الدنيا كيان، حقّ لهم أن يلهوا بالأُلهية الشريفة التي هي الأدب.
إلى أن قلت: إن الأدب لا يجدي إن لم يكن أدب الحياة، ولا يكون أدب الحياة حتى يُحكِم صلته بها ويداخلها، فيعرف مَواطن الخير فيها فيدلّ عليها وأماكن الشر فينفّر منها.
* * *
كان هذا الكلام سنة ١٣٤٩هـ. كانت موازنة بين دعوتين: دعوة لجعل الأدب أُلهيّة شريفة، ودعوة لاتخاذه سنادًا للخُلُق وعاملًا للإصلاح وسلاحًا للنضال. فأيهما الذي كُتب له النصر؟ هل التكريم والتمجيد الآن للشاعر المؤمن المخلص المناضل