وأما الأمير بشير الكبير، فلما رأى ذلك الفشل والانهزام بعث إلى حفدته المحافظين في قرى المتن وكسروان أن يحضروا إلى بيت الدين مسرعين؛ وذلك لأنه وطن نفسه على التسليم إلى الدولة العلية بصيدا، فشخص الأمير إليها بأولاده الثلاثة وزوجه وحفيده الأمير سعد، وكان المتسلم في تلك المدينة يومئذ خالد باشا فأكرمه الباشا، وبعد أيام أقلعت به السفينة إلى مالطة التي اختار المقام بها عندما خيره السرعسكر العثماني بين سائر البلدان ما عدا فرنسا وسورية ومصر.
ولده الأمير قاسم وحفدته الخمسة أولاد الأمير خليل وحفيده الأمير رشيد قاسم، ومدبره بطرس كرامة وسبعون رجلا من خدمه، وخزينته - وقدرها ثمانية عشر ألف كيس من النقود الذهبية القديمة - وأشياؤه الثمينة، ثم تبعه إلى مالطة حفيده الأمير مجيد قاسم الذي بعد أن فر من بين العساكر المصرية ووقع في يد العساكر العثمانية سيره الوزير العثماني من بيروت إليها بعد أن طيب نفسه، وبعد أن أقام الأمير بشير الكبير أحد عشر شهرا بمالطة انتقل إلى الآستانة العلية وزار الكبراء والعظماء، وكان مكرما منهم، وأعدت لسكنه دار بارناوط كوي. وفي أواخر سنة 1850 توفي الأمير في قاضي كوي، وأما آثار الأمير بشير عمر في لبنان فكثيرة تدل على كلفه بارتقاء أسباب الحضارة والعمران، فمنها قنطرة لنهر الكلب شرع في بنائها سنة 1803 فاجترفتها المياه قبل الإنجاز، ثم عاد فبناها سنة 1809، وقنطرة لنهر الصفا عند عين زحلتا، وجر المياه من نبع القاع عند عين زحلتا إلى بيت الدين بقناة استغرقت من النفقة مائتي ألف قرش، وأصلح درج نهر الكلب ورصيف المعاملتين وطريق دير القمر، وبنى قناطر لنهر الدامور أنفق في بنائها مائة ألف قرش وأنجزه في شهرين؛ إذ شغل به مائتين وخمسين بانيا، وله عدة مبان في بيت الدين، ولو صفت له الأيام من كدر الحروب والقتال لأتى أعمالا كبيرة، ومن قفا أثر سيره في الولاية من أوله إلى آخره وجد أنه كان بعد إقرار مهابته في النفوس ساعيا لجمع الكلمة وتأليف القلوب، موقنا أن ذلك إنما هو السبيل الوحيد إلى الارتقاء في مدارج العمران.
وأما خلفه الأمير بشير ملحم فمنذ أن تولى الأمر عام 1841 عام دارت الدوائر على العساكر المصرية، وخرجت السلطة من يد الحكومة المصرية في الديار الشامية وعادت إلى غمدها العثماني حتى انقضت ولايته، وصار الأمر في الجبل إلى عمر باشا النمساوي العثماني، وذلك سنة 1842، سلك في الولاية سبيلا أفضى إلى شقاق بين طوائف لبنان، ثم إلى فتن استحكمت بها الأحقاد والعداوات بين الدروز والنصارى بما لا نستطيع أن نبيح لقلمنا الخوض في مجاله، ولا لنفسنا أن تتحدث بنفسها في استيعاب تفصيله لنثبته في تاريخ محفوظ يتداول بين أيدي أبناء لبنان، وإنما نشير إلى ذلك من طرف خفي حتى لا يجيء تاريخنا فاقدا لحلقة من الحلقات الكبرى من سلسلة الحوادث، فنقول لذلك: إن الفتنة الأولى التي حدثت بين الدروز والنصارى إنما هي التي حدثت أيام حكم هذا الأمير، كان الشر فيها من شرارة مأنها الأمير بالوقود بدلا من أن يعالج إطفاءها، كانت علة هذه الفتنة حجلا اصطاده أحد أبناء دير القمر المسيحيين في ضواحي بعقلين، فاعترضه واحد من أبناء بعقلين من الدروز، فتشاجرا ثم اتسع الخرق بالاستصراخ، كل استصرخ ذويه، ووقع القتل واستفحل حتى شمل القسم الجنوبي من الجبل وتناول جانبا من الشمال. كل ذلك وقع في أيام الأمير بشير ملحم الذي نقمت عليه أرباب المناصب الولاية ونهجه فيها؛ لأنه كان يزدري بهم ويهتضم حقوقهم، وكثيرا ما صادرهم بأموالهم ثم أعطاها لذوي قرباه، وبعد أن وقع ما وقع من تلك الفتنة مما أفضى إلى أن الدولة العلية بعثت بالسرعسكر مصطفى باشا النوري لتدبير الأمور اللبنانية استحضر هذا الوزير الأمير بشير ملحم إليه وبعث به إلى الآستانة العلية، ثم أقام على الجبل واليا يقال له عمر باشا النمساوي وسيره بعسكر إلى بيت الدين، وكان هذا في سنة 1842، فاتخذ هذا الباشا بيت الدين مقرا لولايته، واتخذ له مدبرين: الشيخ خطار العماد، والشيخ منصور الدحداح. وولى الشيخ فرنسيس أبي نادر الخازن على كسروان، والشيخ ظاهر منصور الدحداح على الفتوح، وعلى بلاد جبيل والبترون والكورة الفوقية ثلاثة من المشايخ الحمادية، ثم ألقى القبض على الأمير أحمد الأرسلاني والشيخ نعمان جنبلاط والشيخ نصيف أبي نكد والشيخ حسين تلحوق والشيخ يوسف عبد الملك، ثم على الشيخ خطار العماد وبعث بهم إلى مصطفى باشا في بيروت فجعلهم مصطفى باشا في محجر.
وأما الشيخ حمود النكدي - وقد فر من كفر متى إلى بيروت واستجار بآغا الأناووط فكفله هذا الآغا - فاستاءت الدروز من عمر باشا، ومال بعضهم إلى الذين كانوا ساعين لاسترجاع الولاية للأمراء الشهابيين، وجعلت تتعاظم نفرة الدروز من عمر باشا، واتفقوا مع الأمير أسعد قعدان على أن يكونوا معه يدا واحدة لقتال عمر باشا على أن تكون الولاية للأمير، ثم تداولوا مع النصارى في ذلك، وكان قد حصلت موقعة بين النصارى أهل جبة بشري وبين العسكر العثماني؛ مما مهد في نفوس الدروز سبيل الخروج على عمر باشا، فأفضت المداولة إلى أن النصارى سألوا الدروز ميثاقا مكتوبا في رجوع الولاية إلى الأمراء الشهابيين، فكتبوا لهم الميثاق على أن يكون أحد الأمراء اللمعيين معينا مع الوالي وأن يكون عند الوالي أربعة مدبرين شيخان من الدروز وشيخان من النصارى. ولم تلبث أن شبت نيران الحرب بين عمر باشا وبينهم، وكان عمر باشا قد جعل على عسكره اثنين من النصارى مشهورين بالبسالة؛ وهما: أبو سمرا البكاسيني، والشنتيري من بكفيا. فجرت عدة مواقع كان غالب النصر فيها للباشا، وفي خلال ذلك كان عزت باشا قد عزل من الولاية وجاء إلى بيروت بدلا منه أسعد باشا، فأرسل أسعد باشا إلى بطريرك الموارنة يستشيره في أمر الولاية بلبنان ويسأله من يصلح لها من الأمراء اللمعيين، فأشار عليه بأن يكون الأمير حيدر إسماعيل اللمعي، فولاه الوزير قائمقاما على النصارى من نهر إبراهيم إلى نهاية المقاطعات الجنوبية، وولى على بلاد جبيل وتوابعها قائمقاما مسلما، وعلى الدروز الأمير أحمد عباس الأرسلاني، وأما دير القمر فجعل عليها متسلما، كما ذكر ذلك في ولاية الأمراء اللمعيين.
هوامش
صفحة غير معروفة