212

درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول

محقق

الدكتور محمد رشاد سالم

الناشر

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤١١ هـ - ١٩٩١ م

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

والمقصود هنا الفرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به، وأن الكلام في القسم الثاني، فما لا يتم الواجب إلا به كقطع المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك، فعلي المكلف فعله باتفاق المسلمين.
لكن من ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة، أو ترك الجمعة وهو بعيد الدار عن الجامع فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار، ومع هذا فلا يقال: إن عقوبة هذا أعظم من عقوبة قريب الدار، والواجب ما يكون تركه سببًا للذم والعقاب، فلو كان هذا الذي لزم فعله بطريق التبع مقصودًا بالوجوب لكان الذم والعقاب لتاركه أعظم، فيكون من ترك الحج من أهل الهند والأندلس أعظم عقابًا ممن تركه من أهل مكة والطائف، ومن ترك الجمعة من أقصي المدينة أعظم عقابًا ممن تركها من جيران المسجد الجامع.
فلما كان من المعلوم أن ثواب البعيد أعظم، وعقابه إذا ترك ليس أعظم من عقاب القريب، نشأت من ههنا الشبهة: هل هو واجب أو ليس بواجب؟ والتحقيق: أن وجوبه بطريق اللزوم العقلي، لا بطريق قصد الآمر، بل بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان عالمًا بأنه لا بد من وجودها، وإن كان ممن يجوز عليه الغفلة فقد لا تخطر بقلبه اللوازم.
ومن فهم هذا انحلت عنه شبهة الكعبي: هل في الشريعة مباح أم لا؟ فإن الكعبي زعم أنه لا مباح في الشريعة، لأنه ما من فعل يفعله العبد من المباحات

1 / 213