345

دلائل الإعجاز

محقق

محمود محمد شاكر أبو فهر

الناشر

مطبعة المدني بالقاهرة

الإصدار

الثالثة ١٤١٣هـ

سنة النشر

١٩٩٢م

مكان النشر

دار المدني بجدة

فيه قد جاء بالنَّفي، فذلك لتقديرِ معنًى صارَ به في حُكْم المشكوكِ فيه، فمِنْ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير﴾ [فاطر: ٢٢، ٢٣] إنما جاء واللهُ أعلم، بالنفي والإِثبات، لأنه لمَّا قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾، وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي ﷺ "إنك لن تستطيعَ أن تُحوِّل قلوبَهُم عمَّا هي عليه من الإِباء، ولا تملِكُ أن تُوقِعَ الإيمانَ في نفوسِهم، مع إصرارِهم على كُفرهم، واستمرارِهم على جَهْلِهم، وصدِّهم بأسْماعِهم عما تقوله لهم وتتوله عليه"١ كان اللائقُ بهذا أن يُجعَل حالُ النبيِّ ﷺ حالَ مَنْ قد ظَنَّ أنه يملكُ ذلكَ، ومَنْ لا يَعْلَمُ يقينًا أنه ليس ي وُسْعه شيءٌ أكثرُ من أن يُنْذِر ويُحَذِّر، فأخْرَجَ اللفظَ مُخْرَجَه إذا كان الخطابُ مع مَنْ يَشُكُّ، فقيل: "إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ". ويُبيِّنُ ذلك أنَّك تقولُ للرجل يُطِيلُ مُناظَرةَ الجاهلِ ومقاولَتَهُ: "إنَّك لا تَستطيعُ أنْ تُسْمِعَ الميِّتَ، وأنْ تُفْهِمَ الجمادَ، وأن تحوِّلَ الأعمى بصيرًا، وليس بيدك إيلا تُبَيِّنَ وتحتجَّ، ولستَ تملكُ أكثرَ من ذلك" لا تقول ههنا: "فإنَّما الذي بيدِك أنْ تُبَيِّنَ وتحتجَّ"، ذلك لأنك لم تَقُلْ له "إنك لا تستطيع أنْ تُسْمِعَ الميتَ"، حتى جعلته بماثبة مَنْ يَظُنُّ أنه يملك وراءَ الاحتجاجِ والبيانِ شيئًا. وهذا واضحٌ، فاعرفْه.
ومثلُ هذا في أنَّ الذي تقدَّم منَ الكلام اقتضى أن يكونَ اللفظُ كالذي تَراه، من كَوْنه "بإنْ" و"إلا"، قولُه تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].

١ السياق: "لأنه لما قال الله تعالى .... كان اللائق".

1 / 334