301

دلائل الإعجاز

محقق

محمود محمد شاكر أبو فهر

الناشر

مطبعة المدني بالقاهرة

الإصدار

الثالثة ١٤١٣هـ

سنة النشر

١٩٩٢م

مكان النشر

دار المدني بجدة

ويُبَيِّنُ ذلك أنك تقولُ: "لكَ في هذا غِنًى"، فتنكِّرُ إِذا أردتَ أن تَجْعل ذَلك من بعضِ ما يُسْتَغْنى به، فإِنْ قلتَ: "لكَ فيه الغِنى"، كان الظاهرُ أنك جعلتَ كلَّ غِناه به.
٣٤٢ - وأمرٌ آخرُ، وهو أنه لا يكون ارتداعٌ حتى يكونَ همٌّ وإرادةٌ وليس بواجبٍ أن لا يكونَ إنسانٌ في الدنيا إلاَّ وله عَدوٌّ يَهمُّ بقتله ثم يردَعُه خوفُ القِصاصِ. وإِذا لم يَجِبْ ذلك، فمَن لم يَهُمَّ إِنسانٌ بقتلِه، فكُفيَ ذلك الهَمَّ لخوفِ القصاصِ، فليس هو ممَّن حَيِيَ بالقصاص. وإِذا دخَلَ الخصوصُ، فقد وَجَبَ أن يقالَ "حياةٌ" ولا يقالَ "الحياةُ"، كما وَجَبَ أن يقالَ "شفاءٌ" ولا يقالُ "الشفاءُ" في قولِه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، حيثُ لم يكن شفاءٌ للجميع.
٣٤٣ - واعلمْ أنه لا يُتصوَّر أنْ يكونَ الذي هَمَّ بالقتلِ فلم يقْتُلْ خوفَ القِصاص داخلًا في الجملة١، وأن يكونَ القِصاصُ أفادَهُ حياةً كما أفادَ المقصودَ قتلُه. وذلك أنَّ هذه الحياةَ إِنَّما هي لمن كان يَقْتُل لولا القِصاصُ، وذلك محالٌ في صِفَةِ القاصِدِ للقتلِ، فإِنما يَصِحُّ في وصفِه ما هو كالضدِّ لهذا، وهو أن يقالَ: إِنه كان لا يُخافُ عليه القَتلُ لولا القصاصُ، وإِذا كانَ هذا كذلكَ، كان وجهًا ثالثًا في وجوب التنكير.

١ في هامش "ج" بخط الناسخ، وهو من تعليقات عبد القاهر، ما نصه:
"جملة الأمر أن المعنى على أن الهلاك انتفى على العموم بقتله، من أجل خوف القصاص. ولا يتصور أن يقال: إن الهلاك انتفى عن الهام بقتل غيره من أجل خوف القصاص".

1 / 290