293

دلائل الإعجاز ت الأيوبي

محقق

ياسين الأيوبي

الناشر

المكتبة العصرية

الإصدار

الأولى

مكان النشر

الدار النموذجية

واعلمْ أنَّ الأمرَ بيِّنٌ في قولنا: (ما زيدٌ إلاَّ قائم)، أنْ ليس المعنى على نفْي الشركةِ، ولكنْ على نفْي أنْ لا يكونَ المذكورُ، ويكونَ بدَلَهُ شيءٌ آخر. أَلا ترى أنْ ليس المعنى أنه ليس له مع القيام صفةٌ أخرى، بل المعنى أَنْ ليس له بدَلَ القيام صفةٌ ليستْ بالقيام، وأن ليس القيامُ منفيًا عنه وكائنًا مكانه فيه القعودُ أو الاضطجاعُ أو نحوُهما. فإن قلت: فَصُورَةُ المعنى إذن صُورَتُه، إذا وضعتَ الكلامَ بـ (إنما) فقلت: (إنما هو قائم)، ونحنُ نَرى أنه يجوز في هذا أن تَعْطِفَ بـ (لا) فتقول: (إنما هو قائم لا قاعدٌ)، ولا نرى ذلك جائزًا مع (ما وإلاَّ) إذْ ليس من كلام الناس أَن يقولوا: (ما زيدٌ إلاّ قائم لا قاعد)؛ فإنَّ ذلك إنما لم يَجُزْ مِن حيثُ إنَّكَ إذا قلتَ: (ما زيدٌ إلا قائم)، فقد نفيتَ عنه كلَّ صفةٍ تُنَافي القيامَ، وصرتَ كأنك قلتَ: "ليس هو بقاعدٍ ولا مضطجِعٍ ولا متكئٍ". وهكذا حتى لا تدَعَ صفةً يخرجُ بها من القيام. فإذا قلتَ مِن بَعْد ذلك "لا قاعد" كنتَ قد نفيْت بـ (لا) العاطفةِ شيئًا قد بدأْتَ فنفَيْتَه، وهي موضوعة لأن تنفيَ بها ما بدأْتَ فأَوجبْتَه، لا لأَن تُفيدَ بها النفيَ في شيءٍ قد نَفيتَه. ومن ثَمَّ لم يَجُزْ أنْ تقول: (ما جاءني أحدٌ لا زيد) على أن تعْمَد إلى بعض ما دَخل في النفي بعموم (أحد) فتنفيَه على الخُصوص، بل كان الواجِبُ إذا أردتَ ذلك، أنْ تقول: (ما جاءني أحد ولا زيدٌ)، فتجيء بـ (الواو) مِن قَبْل (لا) حتى تَخْرجَ بذلك عن أن تكونَ عاطفةً، فاعرفْ ذلك!

1 / 292