519

عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير

الناشر

دار القلم

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٤/١٩٩٣.

مكان النشر

بيروت

الَّتِي كَانُوا يَأْخُذُونَ إِلَى الشَّامِ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا احْتُبِسُوا بِمَكَّةَ قَوْلُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَبِي بَصِيرٍ «وَيْلُ أمه محش حرب، لو كان معه رجال» فَخَرَجُوا إِلَى أَبِي بَصِيرٍ بِالْعِيصِ،
فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلا، فَكَانُوا قَدْ ضَيَّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ، لا يَظْفَرُونَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلا تَمُرُّ بِهِمْ عِيرٌ إِلَّا اقْتَطَعُوهَا، حَتَّى كَتَبَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْأَلُهُ بِأَرْحَامِهَا إِلَّا آوَاهُمْ فَلا حَاجَةَ لَهُمْ بِهِمْ، فَآوَاهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ.
وَذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ هَذَا الْخَبَرَ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا، وَسُمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِ أَبِي بَصِيرٍ: جُحَيْشَ بْنَ جَابِرٍ مِنْ بَنِي مُنْقِذٍ، قَالَ: وَكَانَ ذَا جَلَدٍ وَرَأْيٍ فِي أَنْفُسِ الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَ لَهُمَا الأَخْنَسُ فِي طَلَبِ أَبِي بَصِيرٍ جُعْلا، فَقَدِمَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَدَفَعَ أَبَا بَصِيرٍ إِلَيْهِمَا، فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، سَلَّ جُحَيْشٌ سَيْفَهُ ثُمَّ هَزَّهُ فَقَالَ: لأَضْرِبَنَّ بِسَيْفِي هَذَا فِي الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ،
وَفِيهِ: فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ بِسَلَبِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: خَمِّسْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنِّي إِذَا خَمَّسْتُهُ لَمْ أَفِ بِالَّذِي عَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ شَأْنُكَ بِسَلَبِ صَاحِبِكَ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ»
فَخَرَجَ أَبُو بَصِيرٍ، مَعَهُ خَمْسَةٌ نَفَرٍ كَانُوا قَدِمُوا مَعَهُ مُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بَيْنَ الْعِيصِ وَذِي الْمَرْوَةِ مِنْ أَرْضِ جُهَيْنَةَ، وَانْفَلَتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا أَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا، فَلَحِقُوا بِأَبِي بَصِيرٍ، وَكَرِهُوَا أَنْ يَقْدَمُوا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي هُدْنَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَكَرِهُوا الثّواءَ بَيْنَ ظَهْرَيْ قَوْمِهِمٍ، فَنَزَلُوا مَعَ أَبِي بَصِيرٍ فِي مَنْزِلٍ كَرِيهٍ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَطَعُوا بِهِ مَادَّتَهُمْ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ، وَأَبُو بَصِيرٍ يُصَلِّي لأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو جَنْدَلٍ كَانَ هُوَ يَؤُمُّهُمْ، وَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ نَاسٌ مِنْ غِفَارٍ، وَأَسْلَمَ وَجُهَيْنَةَ وَطَوَائِفَ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، لا يمر بهم غير لِقُرَيْشٍ إِلَّا أَخَذُوهَا وَقَتَلُوا أَصْحَابَهَا. وَذَكَرَ مُرُورَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِهِمْ وَقِصَّتَهُ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا الْعَاصِ أُخِذَ فِي سرية زيد بن حارثة إلى العيص، قال: وكتب رسول الله ﷺ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ أَنْ يَقْدَمَا عَلَيْهِ وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِبِلادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، فَقَدِمَ كِتَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمَا، وَأَبُو بَصِيرٍ يَمُوتُ فَمَاتَ وَكِتَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ يَقْرَأُهُ، فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَلٍ مَكَانَهُ، وَجَعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَقَدِمَ أَبُو جَنْدَلٍ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَرَجَعَ سَائِرُهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ. وَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ فِيمَا حَكَاهُ الزبير:

2 / 170