305

هكذا المجاهد يمضي إلى الأمام صوب غايته الكبرى، لا يلتفت إلى الوراء، ولا يعبأ بالدنيا، ويقول غير وجل ولا آسف:

وأراني أسمو بسعيي ووعيي ... عن جزاء من معدن الأرض بخس

حسب نفسي من الجزاء شعوري ... أنني في الإله أبذل نفسي

وقال ابن المبارك:

بغض الحياة وخوف الله أخرجني ... وبيع نفس بما ليست له ثمنا

إني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ما ليس ييقى فلا والله ما اتزنا

* وعن موسى بن أبي إسحاق الأنصاري: (أن علي بن أسد كان قد قتل، وصنع أمورا عظاما، فمر ليلة بالكوفة، فإذا برجل يقرأ من جوف الليل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله} الآية، فقال علي: "أعد"، فأعاد، ثم قال: "أعد"، فأعاد، ثم قال: "أعد"، فأعاد، فعمد فاغتسل، ثم غسل ثيابه، فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء، وصارت ركبتاه كركبتي البعر، فغزا البحر، فلقي الروم، فقرنوا مراكبهم بمراكب العدو، قال علي: "لا أطلب الجنة بعد اليوم أبدا"، فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فما زال يضربهم، وينحازوا، ويضربهم، وينحازوا حتى مالوا في شق واحد، فانكفأت عليهم السفينة، فغرق وعليه درع الحديد) (¬1).

* ويروى أن العلاء بن الحضرمي وقف على شاطئ المحيط الأطلسي، وخاض في مياهه بفرسه قائلا: "والله أيها البحر لو أعلم أن وراءك أرضا لخضتك، وفتحتها بإذن الله" (¬2).

صفحة ٣١٢