944

عرائس البيان في حقائق القرآن

مناطق
إيران
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون

أرواحهم ، وفنيت قلوبهم واستهلكت نفوسهم ، ولكن ما أطيب زمان السكر للمريدين ، والمحبين ، والشائقين ، والعاشقين أخذهم سكر الوصال عن المقيل والقال ، وعن الاشتغال والمحال ، وغيبهم في أنوار الجمال والجلال ؛ حتى لم يحسوا شيئا من الحدثان من ذوق وصال الرحمن ، ما أطيب تلك الأوقات السرمدية ، والأحوال المقدسة بحيث ما لهم خبر عن مرور الزمان ، وحوادث الملوان.

شهور ينقضين وما شعرنا

بإنصاف لهم ولا شرار

ما أقل زمان الوصال لعشاق الجمال والدهر عندهم في المشاهدة ساعة ، وإعمار العاملين في منازل أنسهم لمحة.

وأنشد :

صباحك سكر والمساء خمار

نعمت وأيام السرور قصار

زمان القربة قليل وزمان الفرقة طويل ، وذلك من غيرة العشق المجران في كمين الغيرة مقيم وملدوغ الفراق من سم أفاعي الغيرة سليم ، لا يصير الدهر ؛ حتى يفرق بين العاشقين والمعشوقين ، وأنشد :

عجبت بسعي الدهر بيني وبينها

فلما انقضى ما بيننا سكر الدهر

كانوا لا يعرفون اليوم من الأمس ، ولا يعلمون من حدة الحال القمر من الشمس : ( قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ).

استقاموا مقام الوصال واستلذوا لطائف الجمال وتخبطوا في المقال ، وما كان ذلك إلا من خمار سكر الأحوال ذكروا أيام الوصلة في مقام الفرقة ، وتعاظموا لطائف المؤانسة في منازل الوحشة ، واشتاقوا إلى معاهد المشاهدة ، وأيام المدانة.

وأنشدوا :

سلام على تلك المعاهد إنها

شريعة ورد أو مهب بشمال

قال ابن عطاء : مقام المحب مع الحبيب ، وإن طال فإنه قصير عنده إذ لا يقضي من حبيبه وطرا ، ولو مكث معه دوام الدهر ، فإن انتهاء شوقه إليه ؛ كالابتداء ، فانتهاؤه فيه ابتداء ، فلما رجعوا من مقام الجذب إلى مقام السلوك ، ومن مقام الروحانية إلى مقام البشرية ، واحتاجوا إلى ما يعيش به الإنسان ، استعملوا حقائق الطريقة بقوله سبحانه :

( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما ) لما

صفحة ٤١٤