893

عرائس البيان في حقائق القرآن

مناطق
إيران
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون

الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51))

قوله تعالى : ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) معنى الاية : إذا قرأت القرآن جعلنا بين فهم الكتاب وشرفك المذكور في القرآن مع معاني حقائقه ، وبين قلوبهم وعقولهم وأرواحهم حجابا من غيرتنا ، حتى لا يرون بأبصار أسرارهم عرائس الصفات ، ولا يسمعون باذان قلوبهم لطائف حكم الخطاب ، وإذا كان عليه السلام قرأ القرآن صار منورا بنور الصفات ، موشحا بتجليها ، مزينا بحقائقها من حيث كان شربه من سواقي الصفات ، وحظه من مشاهدات الذات ، وإذا بلغ إلى ذلك المقامات في قراءته وتلاوته وحسن صورته غار الحق عليه أن ينظر إلى وجهه أحد غيره ، ولو رآه أحد بهذا الوصف طاش عقله وطار روحه من هيبة الله ، يدل عليه قوله تعالى : ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) وإذا استترت بأستار كلامنا صرت مستورا عن أعين المبطلين ، ومحصنا عن تناول المغضبين والمنكرين ، ورب صادق فر من العدو إلى ستر القرآن ، فكان مستورا من جميع الضرر مثل أنه يقول : بسم الله ، فيكون مستورا عن أعين الخلق ، وهذا وصف الأخفياء الأتقياء.

قال بعضهم : من تحصن بالحصن فهو في أحسن حصن ، ومن تحصن بكتابه فهو في أحسن حصن ، والمضيع لوقته من تحصن بعلمه أو بنفسه أو بجنسه ؛ فيكون هلاكه من موضع أمنه.

وكان أبو يزيد إذا قرأ هذه الاية قال لأصحابه : تدرون ما ذلك الحجاب؟ هو حجاب الغيرة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا أحد أغير من الله» (1).

وتصديق ما ذكرنا في حقيقة الايتين قوله سبحانه : ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ): إذا ذكر الحق بصفات الحق بنعت الوحدة وإفراد قدمه عن الكون بحيث انفرد الحبيب بفردانية الحبيب ، وتوحد بوحدانيته ، واتصف بصفته ، وشاهد إفراد ذاته ، صار وجوده وحدانيا ربانيا ألوهيا جبروتيا ملكوتيا ، يزول كل ما قورن به من

صفحة ٣٦٣