776

عرائس البيان في حقائق القرآن

مناطق
إيران
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون

ألا ترى كيف قال عليه السلام من رأس سكره : «كلميني يا حميراء» (1)، وذلك لأن الله أراد بقاءه بين الخلق ليرحمهم ، ويتجاوز عن سيئاتهم ولا يعذبهم ببركته.

قال الله : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) وأعلم الجهال بهذه الاية أنه إذا شرف وليا وصديقا بولايته ومعرفته ، لم يضر به مباشرة أحكام البشرية من الأهل والولد ، ولم يكن بسط الدنيا له قدحا في ولايته.

قال محمد بن الفضل : جعلنا لهم أزواجا وذرية ، فلم يشغلهم ذلك عن القيام بأداء الرسالة ونصيحة الأمة وإظهار شرائع الدين.

ويقال : أن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الاشتغال لا يؤثر في حاله ولا يضره ذلك من وجه.

ثم بين سبحانه أن آيته ومعجزته وكرامته خارج عن تصرف الخلق وتعللهم ، وإن كان نبيا أو صديقا أو ملكا ، بقوله : ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) حسم أطماع المريدين عن طلب الكرامات بالمجاهدات ، ومنهم من التمسها عن المشايخ ، ثم بين سبحانه أن أوان ذلك بأجل معلوم في وقت معروف ، بقوله : ( لكل أجل كتاب ) لكل مقام ومرتبة من مراتب العارفين لها زمان عند الله سبحانه ، لا ينالها أحد قبل بلوغه إلى ذلك الوقت إلا بعد أن يكون مصطفى في الأزل بالدرجات والكرامات.

ألا ترى إلى قوله سبحانه : ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ) وأيضا لكل كشف من صفاته وذاته وقت في مراد الله من أوليائه ، وذلك الكشف من العيون الصفات والذات لا يكون للعارف إلا ويكون في قلبه شأن محو صفة من البشرية ، وإثبات صفة من العبودية وزيادة نور في إيمانه وعرفانه بالربوبية ، أيضا لكل مقدر في الأزل في قضية مراد الله من الربوبية والعبودية والنعمة البلية وقت معلوم في علم الله لا يأتي إلا في وقته.

قال جعفر الصادق في قوله : ( لكل أجل كتاب ) للرؤية وقت.

وقال ابن عطاء : لكل بيان ولكل لسان عبارة ، ولكل عبارة طريقة ، ولكل طريقة أهل ، فمن لم يميز بين هذه الأحوال فليس له أن يتكلم بالعرف والحقائق ، وعلم هذه الطائفة ومفهوم الإشارة إخبار الحق عن الصفتين الأزليين ، وهما الإرادة والعلم ، أي : إرادة في إنفاذ القضاء علم في ذاته في كيفية وقوع ما أراد وقوعه من أمور الربوبية ؛ فالكتاب علم ذاته يثبت إرادته في علمه ما يشاء ، يمحو ما يشاء من القضاء والقدر ، فبقي الكتاب كما كان في الأزل ،

صفحة ٢٤٦