731

عرائس البيان في حقائق القرآن

مناطق
إيران
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون

ثم بين أنه تعالى إذا أراد أن يكرم عبدا ألهمه الصبر في بلائه والتقوى في عباده بقوله : ( إنه من يتق ويصبر ) أي : من يتق في الخلوة عن متابعة الشهوة والوقوع في النهمة وصبر عن انقياد هوى النفس بعد جريان الهمة.

قال ابن عطاء : من يتق ارتكاب المحارم ، ويصبر على أداء الفرائض ؛ فإن الله لا يضيع سعي من أحسن في هذين المقامين ، واعتمد على الله ، ولم يعتمد سعيه ولا علمه.

ولما رجع يوسف عليه السلام إلى ذكره تفضل الله عليه وعلى أخيه ، وذكر توحيده أوقعهم الله ذلك إلى رؤية توحيد الله بقوله : ( قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ) رجعوا إلى الله في أول مقالتهم ، وذكروا فضله عليه ، ثم أتوا إلى مذمة أنفسهم أي : آثرك الله علينا بالخلق والخلق والحسن والجمال والملك والشرف والمكاشفة والعلم ( وإن كنا لخاطئين ) أي : جاهلين بجاهك.

قال بعضهم : اختارك وقدمك علينا بحسن التوفيق والعصمة ، وترك المكافأة على الإشارة ( وإن كنا لخاطئين ) لمسيئين إليك ، فلما سمع يوسف عليه السلام اعتذارهم أرجع نفسه ونفوسهم إلى مقادير السابق ، ثم استعمل الكرم والظرافة في الخلق بقوله : ( لا تثريب عليكم اليوم ) أي : هذا يوم الوصال وكشف الجمال ، يرفع العذاب ، لا يوم التعيير والتثريب ، وفي هذه الحالة إشارة إلى أن الأولين والاخرين إذا دخلوا في سابقة الكبرياء وسكت لهم ألسنة العذر ، يبسط الله سبحانه أوراق الأقدار والتي جرت في سبق السابق بما كان ، وما سيكون وتحمل أعمالهم جميعا على مطية القدر ، ويبرئهم عن الجرائم ، ويقول : من أفضاله وكرمه : ( لا تثريب عليكم اليوم ) فإن أفعالهم جرت بمقاديري ، وكيف كنتم تدفعون مقاديري كأنه تعالى يضع العذر على القدر ، ويغفر لهم جميعا بقوله : ( يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) بين الجرم وغلب العفو والكرم على العتاب والمؤاخذة.

قال جعفر عليه السلام : لا عيب عليكم فيما عملتم ، لأنكم كنتم مجبورين عليه ، وذلك في سابق القضاء عليكم.

قال أبو عثمان : ليس لمن أذنب أن يعاتب مذنبا ، وكيف أعييكم ، وقد سبق مني الهم والاختيار للسجن ، وقولي : ( اذكرني عند ربك ) وكيف ألومكم فيما عملتم وأنسى ما عملت؟

قال شاه الكرماني رحمة الله عليه : من نظر إلى الخلق بعين الحق سلم من مخالفاتهم ، ومن نظر إليهم بعينه أفنى أيامه في مخاصماتهم ، ألا ترى إلى يوسف عليه السلام لما علم مجاري القضاء كيف

صفحة ٢٠١