عرائس البيان في حقائق القرآن
لئلا يخجلوا فيه بين يديه حيث جعل نفسه معهم شريكا فيما جرى عليهم وطاب قلب بنيامين برؤية يوسف ووصاله ؛ فاحتمل الملامة ، وكيف لا يحتمل ذلك وبلاء العالم محمودة بملامة رؤية المعشوق ، وكيف يؤثر الملامة ؛ فيمن كان في وصال محبوبه.
أجد الملامة في هواك لذيذة
حبا لذكرك فليلمني اللوم
وفي الاية إشارة لذيذة أن من اصطفاه الله في الأزل بمحبته ومعرفته ومشاهدته ، حيث خاطب الأرواح والأشباح ، وضع في محمله ضاع ملامة الثقلين.
ألا ترى إلى ما فعل آدم صفيه عليه السلام اصطفاه بقوله : ( إن الله اصطفى آدم ) ثم عرض الملامة ؛ فحمله بقوله : ( فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) ثم هيج شهوته إلى حبة الحنطة حتى أكلها ، ونادى عليه بلسان الأزلي : ( وعصى آدم ربه ) ذلك من غاية حبه له حتى صرفه عن الكون وما فيه ومن فيه إليه ، ولولا أن كشف جماله لا يحتمل بلاء الملامة كما فعل يوسف عليه السلام ببنيامين آواه إليه وكشف جماله له وخاطبه ، ثم نادى عليه بالسرقة ليبقيه معه ، والإشارة في قوله تعالى : ( أيتها العير إنكم لسارقون ) أي : سرقتم أمانة المعرفة ، وحقائق الأخوة بيني وبينكم حين فعلتم ما فعلتم بأبيكم وأخيكم.
قال جعفر في قوله : ( إنكم لسارقون ) أضمر يوسف في أمره مناديه إياهم بالسرقة ما كان منهم في قصته مع أبيهم أن فعلكم الذي فعلتم مع أبيكم يشبه فعل السراق.
وقيل : ( إنكم لسارقون ) لعاقون لأبيكم في أمر أخيكم ؛ حيث أخذتموه منه وخنتموه فيه.
وعن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر قال : من سرق قلبه عن ربه ، نودي يوم القيامة : ويا سارق ، وكل سارق عليه القطع ، ومن لم يكن للوصال أهلا ؛ فكل إحسانه ذنوب.
قال الأستاذ : احتمل بنيامين ما قيل فيه من السرقة بعد ما بقي مع يوسف.
ويقال : ما نسب إليه من سوء الأفعال هان غلبه في جنب ما وجد من الوصال.
( فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78))
قوله تعالى : ( كذلك كدنا ليوسف ) إن الله سبحانه إذا خص نبيا أو وليا ألبسه
صفحة ١٨٨