عرائس البيان في حقائق القرآن
وقال الجنيد : الشقي من حرم الرحمة ، والسعيد من رزقها.
وقال إبراهيم الخواص : الشقي من اعتمد تدبيره وقوته ، والسعيد من فوض أمره إلى ربه ، والسعيد الذي ساعده التوفيق الأزلي في كل ما يريد من المقامات ، وتسهيل الطاعات ، والشقي ميت القلب عن مورد تجلي رؤية الرب.
قوله تعالى : ( فاستقم كما أمرت ): أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم في معهد الأزل أن يقوم بتحمل أمانة علوم كنوز القدم ، وما يتعلق بها من كشوف أنوار صفاته وذاته إلى الأبد ، وذلك بعد أن كساه كسوة الربوبية وقدرة الأزلية ، فذكره عهده الأول بعد كونه متحليا بأنوار التأييد والعناية ، وقيامه بأداء حقوق الرسالة والنبوة ، فان الان أوان الامتحان ؛ حيث زينت الدنيا بأحسن زينتها لك ، وأجريت الطبيعة فيك ، وأن يستقيم أصحابك وأمتك في حمل ما تخبرهم من أحوالك معي ، وأحوالهم وكراماتهم بين يدي ؛ فإني بجلالي وقدري أكشف أسراري لك ولأمتك من أهل الحقائق ما لا يطيق بإزائها السماوات والأرض ، فاستقم بما يليق برسالتك.
( ومن تاب معك ) من أمتك بما يليق بولايتهم ، وليس للاستقامة حد ؛ لأنها مقامات وحالات ومعارف وكواشف وتوحيد ويقين وصدق وإخلاص وآداب وخطاب ، وفي كل مقام استقامة من يستقيم فيها جميعا ، وفيما يرد عليه من واردات المواجيد من اللطفيات ، وما يرد عليه من الامتحان والبليات ، صار موصوفا بالاستقامة ، ومن يطيق أن يقوم بإزائها مستقيما ، ولا يثبت على صفوان القدم آثار أهل العدم من جعله الله مستقيما بتأييده صار مستقيما ، المخصوص في ذلك محمد صلى الله عليه وسلم ، لذلك قال عليه السلام : «استقيموا ولن تحصوا» (1)، ولما ثقلت عليه أثقال الاستقامة على تتابع كشوف الأزليات وأسرار الأبديات قال : «شيبتني هود» (2).
وقال ابن عطاء : إنما ينال الاستقامة على حسب ما أكرم به من نور السر.
وقال بعضهم : من يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة إلا من أيد من المشاهدات القوية ، والأنوار البينة ، والاثار الصادقة.
ثم عصم بالتثبيت ، ( ولو لا أن ثبتناك )، ثم حفظ في وقت المشاهدة ، ومشافهة الخطاب ، وهو المزين بمقام القرب والمخاطب في بساط الأنس محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد ذلك خوطب بقوله : ( فاستقم كما أمرت ): ولولا هذه المقدمات لا نفسخ دون هذا الخطاب.
ألا تراه كيف يقول للأمة : «استقيموا ولن تحصوا» (3) أي : لا تطيقوا الاستقامة التي
صفحة ١٣٨