391

عرائس البيان في حقائق القرآن

مناطق
إيران
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون

قوله تعالى : ( وربك الغني ذو الرحمة ) أخبر تعالى عن الصفتين القديمتين الصادرتين من الأزل للعموم والخصوص من الحدثان ، بفنائه استغنى عن طاعة المطيعين ، وبرحمته رحم كل العاصين ، حين لا ينفعه طاعة المطيعين ، ولا يضره عصيان العاصين ، ملابسة أقطار الحدثان من لطائف الإنعام من بحار رحمته مطر لطفه على الأنعام ، غناه أغنى العارفين عن الكونين ، ورحمته شملت كل العالمين ، فقال : سماع غناه يوجب محوهم ، وسماع رحمته يوجب صحوهم.

وقال الأستاذ : ( الغني ) يشير إلى غيره ، والرحمة تشير إلى لطفه ، أخبرهم بقوله : ( الغني ) عن جلاله ، وبقوله : ( ذو الرحمة ) عن أفضاله ، فبجلاله يكاشفهم فيفنيهم ، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم.

قوله تعالى : ( وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ) إن لله سبحانه في قلوب العارفين جنان ورد المشاهدات وعبر المكاشفات ، وزهر الجمال ، ونور الوصال وياسمين المودة ، ورياحين الزلفى ، فبعضها معروشات بكرم حقائق معاملاتها وحالاتها ، بحيث تلاصق ثمراتها إلى حضرة القديم ، وأنوار معارفها تسطع إلى سماء اليقين ؛ لقوله سبحانه : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [فاطر : 10] ، وذلك من جذب الله صميمها وأغصان أنوارها إلى قربه بقوة أزلية في إرفاعها إليه ، ويضع ثمراتها غير معروشة لبقائها على أشجار الهموم والفهوم ؛ ليتناولها كل طالب وكل مريد صادق ، تحلها هو الإيمان الثابت في أرض القلب ، وفرعها في عالم الملكوت ، قال تعالى : ( أصلها ثابت وفرعها في السماء ) [إبراهيم : 24] ، وزروعها تنبت فيها من بذر المحبة ، وهي مختلفة ثمراتها ، فمنها الأنس ، ومنها القدس ، ومنها الشوق ، ومنها العشق ، ومنها الخوف ، ومنها الرجاء ، ومنها العصمة ، ومنها المعرفة ، ومنها التوحيد ، ومنها التجريد ، وزيتونها إخلاصها ، تنبت من أنس الوصال بدهن نور الجمال ، وصبغ صبح الجلال متشابها في لباس الالتباس ، منبتها في منظر نور التجلي.

قال تعالى في وصفها : ( يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ) [النور : 53] ، ووصفها أيضا بقوله : ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) [المؤمنون : 20] ، ومن هاهنا خاطب كليمه يقوله : ( نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله ) [القصص : 30] ، ورمانها شجرة الإلهام الذي ثمره

صفحة ٤٠١