عرائس البيان في حقائق القرآن
( أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا ) (1) إلا بالعقل ، فمن صحت صحبة روحه في القدم صحت صحبته مع الله.
وقال في قوله : ( أيدتك بروح القدس ): ذكر الروح في هذا الموضع لطفا لقربه من المستترات.
قال بعضهم : قدست روحك أن تمازج شيئا من هيكلك وطبعك ، بل ظهرته لئلا ترى غيري ، ولا تشاهد سواي ، وأسكنته قالب جرمك سكون عارية كإسكان آدم عليه السلام الجنة ، لأطهر به جسدك عن أدناس الكون حتى أقدسهما جميعا وأخرجها إلى محل القدس ، ومن تمام نعمة الله عليه صيرورة جسمه بنعت روحه في المهد على مثابة بالقوة الإلهية بأن نطق بوصف تنزيه الله وقدسه وجلاله وربوبيته ، وفناء العبودية فيه ، وبقيت تلك القدرة فيه في كهولته حتى عرف عباد الله تنزيه الله ، وقدس صفات الله ، وحسن جلال الله ، وهذا معنى قوله تعالى ( تكلم الناس في المهد وكهلا ).
وزاد في وصفه بقوله تعالى : ( وإذ علمتك الكتاب ) تجلى بقدرته ليده حتى تخط بغير تعلم ، ( والحكمة ) أي : حكمة معارف العشق ، وطريق كواشف الملكوت ، وبطون الأفعاليات بنعت ماهيتها ، ( والتوراة ) علمه ما علم موسى عليه السلام بنعت تجليه له من نور التوراة ، ليعلم شرائع المعرفة ، وحكم الربوبية ، ( والإنجيل ) عرفه أناجيل القدمية بظهور صفات الأبدية.
وزاد وصفه على وصف باتصافه بالقدرة القائمة ، والقوة الإلهية في خلق الطير حين نفخها من نفخ روح القدس التي فيه ، وذلك أمارة ظهور ربوبية الله منه ، ولذلك كان قادرا على إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والاستشراف على مكنون الغيب بقوله بما وصف في موضع آخر : ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) [آل عمران : 49].
قال أبو علي الرودباري في قوله : ( وتبرئ الأكمه والأبرص ) غاية الربوبية في غاية العبودية ، لما استقام على بساط العبودية أظهر عليه أشياء من أوصاف الربوبية بقضائه
صفحة ٣٣٦