1187

عرائس البيان في حقائق القرآن

مناطق
إيران
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون

الإرادات والمقامات والمعاملات وظهر له عين القدم في عين الجمع وبان نور الأزل في النار بعد انقضاء الأجل قال : ( إني آنست نارا )، والحكمة في ذلك أن طبع الإنسانية يميل إلى الأشياء المعهودة ؛ لذلك تجلى النور في النار لاستئناسه بلباس الالتباس ، فأخبر عن حال الاستئناس ، وقال ( إني آنست نارا ) أي : أبصرتها وأنستها ، ولا تخاط النار من الاستئناس خاصة في الشتاء ، وكان شتاء فتجلى الحق بالنور في لباس النار ؛ لأنه كان في طلب النار ، فأخذ الحق مراده وتجلى من حيث إرادته وهذا سنته تعالى ، ألا ترى إلى جبريل أنه إذا علم أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب دحية فأكثر إتيانه إليه كان على صورة دحية ، فلما وصل موسى إلى المقصود ذهب النار وبقي النور وذهب الأنس وبقى القدس ، ثم ذهب النور وظهر عين الصفة ، ثم عين الذات ، فلما وله تحير في صولة الأزل ، وبان العيان لم يبق له العرفان ، وظن ظنونا منها أنه كان في سره أين أنا وإيش ما أرى ، هل يكون لموسى ما يرى موسى أو أن موسى نام عن موسى ، وما يرى لا يرى أو يرى ولا يعرف ، فكاد أن يضمحل في الحيرة إذ بان الكشف بالبداهة خارجا عن العادة فناداه الحق : أين أنت يا موسى ( إني أنا الله )، فأوقعه بطيب الخطاب من الفناء إلى البقاء ومن التفرقة إلى الجمع حتى أنس بالأنس ثم بالقدس ، وبقي مع الحق بنعت الفرقان في محل العيان ، فأوائل الأحوال كان رسما ثم وسما ثم واسطة ثم حقيقة ، فارتفع الوسائط وبقي الحقائق ، وذلك بقوله ( فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى )، أتى من الأكوان والحدثان إلى بساط الرحمن ، ونودي له من شاطئ وادي الأزل في ساحة القدم من شجرة الذات بأصوات الصفات أن يا موسى ( إني أنا ) إشارة البعد في القرب والقرب في البعد والغيبة في الحضور والحضور في الغيبة ، أشار إلى الهوية ، ثم إلى كشف العيان بقوله : ( إني أنا الله ) أي : اخرج أنت من أنت من حيث أنت ؛ فإني أنا الله أبقى لك ؛ فانظر إلي بعين منا ؛ حتى ترى الألوهية وتعلم الحقيقة.

قال بن عطاء : في قوله ( فلما قضى موسى الأجل ): لما تم أجل المحبة ودنا أيام القربة والزلفة وإظهار أنوار النبرة عليه سار بأهله ليشترك معه في لطائف الصنع.

وقال جعفر في قوله ( آنس من جانب الطور نارا ): أبصر نارا دالة على الأنوار ؛ لأنه رأى النور على هيئة النار ، فلما دنا منها شملته أنوار القدس ، وأحاطت به جلابيب الأنس ، فخوطب بألطف خطابا ، واستدعى منه أحسن جواب ؛ فصار بذلك مكلما شريفا مقربا أعطى ما سأل وأمن مما خاف ، وذلك قوله ( آنس من جانب الطور نارا. )

صفحة ٨٦