تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار
الناشر
دار الجيل بيروت
المجلد الأول
مقدمة
...
مقدمة.
اعلم أن الله تعالى لما خلق الأرض ودحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها وبث فيها من كل دابة وقدر اقواتها احوج بعض الناس إلى بعض في ترتيب معايشهم ومآكلهم وتحصيل ملابسهم ومساكنهم لأنهم ليسوا كسائر الحيوانات التي تحصل ما تحتاج إليه بغير صنعة. فإن الله تعالى خلق الإنسان ضعيفا لا يستقل وحده بامر معاشه لاحتياجه إلى غذاء ومسكن ولباس وسلاح فجعلهم الله تعالى يتعاضدون يتعاونون في تحصيلها وترتيبها بان يزرع هذا الذاك ويخبز ذاك لهذا وعلى هذا القياس تتم سائر أمورهم ومصالحهم وركز في نفوسهم الظلم والعدل. ثم مست الحاجة بينهم ميزانا للعدالة وقانونا للسياسة توزن به حركاتهم وسكناتهم وترجع إليه طاعاتهم ومعاملاتهم فانزل الله كتابه بالحق وميزانه بالعدل كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ .
قال علماء التفسير المراد بالكتاب والميزان العلم والعدل وكانت مباشرة هذا الأمر من الله بنفسه من غير واسطة وسبب على خلاف ترتيب المملكة وقانون الحكمة فاستخلف فيها من الآدميين خلائف ووضع في قلوبهم العلم والعدل ليحكموا بهما بين الناس حتى يصدر تدبيرهم عن دين مشروع وتجتمع كلمتهم على رأي متبوع ولو تنازعوا في وضع الشريعة لفسد نظامهم واختل معاشهم. فمعنى الخلافة هو أن ينوب أحد مناب آخر في.
1 / 13
التصرف واقفا على حدود أوامره ونواهيه وأما معنى العدالة فهي خلق في النفس أو صفة في الذات تقتضي المساواة لأنها أكمل الفضائل لشمول اثرها وعموم منفعتها كل شيء وإنما الإنسان عادلا لما وهبه الله قسطا من عدله وجعله سببا وواسطة لايصال فيض واستخلفه في ارضه بهذه الصفة حتى يحكم بين الناس بالحق والعدل كما قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ أنا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ .
وخلائف الله هم القائمون بالقسط والعدالة في طريق الأستقامة ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه والعدالة تابعة للعلم باوساط الأمور المعبر عنها في الشريعة بالصراط المستقيم. وقوله تعالى: ﴿أن رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إشارة إلى أن العدالة الحقيقة ليست إلا لله تعالى فهو العادل الحقيقي الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ووضع كل شيء على مقتضى علمه الكامل وعدله الشامل. وقوله ﷺ "بالعدل قامت السموات والأرض" اشارة إلى عدل الله تعالى الذي جعل لكل شيء قدرا لو فرض فارض زائدا عليه أو ناقصا عنه لم ينتظم الوجود على هذا النظام بهذا التمام والكمال.
اصناف العدل من الخلائق خمسة ورفع الله بعضهم فوق بعض درجات كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ .
الأول: الانبياء عليهم الصلاة والسلام فهم ادلاء الأمة وعمد الدين ومعادن حكم الكتاب وأمناء الله في خلقه هم السرج المنيرة على سبيل الهدى وحملة الامانة عن الله إلى خلقه بالهداية بعثهم الله رسلا إلى قومهم وانزل معهم الكتاب والميزان ولا يتعدون حدود ما أنزل الله إليهم من الأوامر والزواجر ارشادا وهداية لهم حتى يقوم الناس بالقسط والحق ويخرجونهم من ظلمات الكفر والطغيان إلى نور اليقظة والايمان وهم سبب نجاتهم من دركات جهنم إلى درجات الجنان وميزان عدالة.
1 / 14
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدين المشروع الذي وصاهم الله باقامته في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ فكل أمر من أمور الخلائق دنيا واخرى عاجلا وآجلا قولا وفعلا حركة وسكونا جار على نهج العدالة ما دام موزونا بهذا الميزان ومنحرف عنها بقدر انحرافه عنه ولا تصح الاقامة بالعدالة إلا بالعلم وهو اتباع احكام الكتاب والسنة.
الثاني: العلماء الذين هم ورثة الانبياء فهم فهموا مقامات القدوة من الانبياء وإن لم يعطوا درجاتهم واقتدوا بهداهم واقتفوا آثارهم إذ هم أحباب الله وصفوته من خلقه ومشرق نور حكمته فصدقوا بما اتوا به وسروا على سبيلهم وأيدوا دعوتهم ونشروا حكمتهم كشفا وفهما ذوقا وتحقيقا ايمانا وعلما بكمال المتابعة لهم ظاهرا وباطنا. فلا يزالون مواظبين على تمهيد قواعد العدل واظهار الحق برفع منار الشرع وأقامة اعلام الهدى والإسلام واحكام مباني التقوى برعاية الاحوط في الفتوى تزهدا للرخص لأنهم امناء لله في العالم وخلاصة بني ادم مخلصون في مقام العبودية مجتهدون في اتباع احكام الشريعة عن باب الحبيب لا يبرحون ومن خشية ربهم مشفقون مقبلون على الله تعالى بطهارة الأسرار وطائرون إليه باجنحة العلم والانوار هم أبطال ميادين العظمة وبلابل بساتين العلم والمكالمة. أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون وتلذذوا بنعيم المشاهدة ولهم عند ربهم ما يشتهون وما ظهر في هذا الزمان من الاختلال في حال البعض من حب الجاه والمال والرياسة والمنصب والحسد والحقد لا يقدح في حال الجميع لأنه لا يخلو الزمان من محقيهم وإن كثر المبطلون ولكنهم اخفياء مستورون تحت قباب الخمول لا تكشف عن حالهم يد الغيرة الألهية والحكمة الأزلية. وهم آحاد الأكوان وافراد الزمان وخلفاء الرحمن وهم مصابيح الغيوب مفاتيح اقفال القلوب وهم خلاصة خاصة الله من خلقه وما برحوا أبدا في مقعد صدقه بهم يهتدي كل حيران ويرتوي كل ظمآن وذلك أن.
1 / 15
مطلع شمس مشارق أنوارهم مقتبس من مشكاة النبوة المصطفوية ومعدن شجرة اسرارهم مؤيد بالكتاب والسنة لا أحصي ثناء عليهم أفض اللهم علينا مما لديهم.
الثالث: الملوك وولاة الأمور يراعون العدل والانصاف بين الناس والرعايا توصلا إلى نظام المملكة وتوسلا إلى قوام السلطنة لسلامة الناس في أموالهم وابدانهم وعمارة بلدانهم ولولا قهرهم وسطوتهم لتسلط القوي على الضعيف والدنيء على الشريف. فرأس المملكة واركانها وثبات احوال الأمة وبنيانها العدل والانصاف سواء كانت الدولة اسلامية أو غير اسلامية فهما اس كل مملكة وبنيان كل سعادة ومكرمة. فإن الله تعالى أمر بالعدل ولم تكتف به حتى اضاف إليه الاحسان فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ لأن بالعدل ثبات الأشياء ودوامها وبالجور والظلم خرابها وزوالها فإن الطباع البشرية مجبولة على حب الانتصاف من الخصوم وعدم الإنصاف لهم والظلم والجور كامن في النفوس لا يظهر إلا بالقدرة كما قيل:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
... ذا عفة فلعلة لا يظلم
فلولا قانون السياسة وميزان العدالة لم يقدر مصل على صلاته ولا عالم على نشر علمه ولا تاجر على سفره.
فان قيل: فما حد الملك العادل قلنا هو مما قال العلماء بالله من عدل بين العباد وتحذر عن الجور والفساد حسبما ذكره رضي الصوفي في كتابه المسمى بقلادة الأرواح وسعادة الافراح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها" وفي حديث آخر: "والذي نفس محمد بيده أنه ليرفع للملك العادل إلى السماء مثل عمل الرعية وكل صلاة يصليها تعدل سبعين ألف صلاة" وكأن الملك العادل قد عبد الله بعبادة كل عابد وقام له بشكر كل شاكر فمن لم يعرف قدر هذه النعمة الكبرى والسعادة.
1 / 16
العظمى واشتغل بظلمه وهواه يخاف عليه بان يجعله الله من جملة اعدائه وتعرض إلى اشد العذاب كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن أحب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة وأقربهم منه إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله تعالى وأشدهم عذابا يوم القيامة إمام جائر" فمن عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق واطاعه الخلق وصفت له النعمى واقبلت عليه الدنيا فتهنأ بالعيش واستغنى عن الجيش وملك القلوب وأمن الحروب وصارت طاعته فرضا وظلت رعيته جندا لأن الله تعالى ما خلق شيئا احلى مذاقا من العدل ولا أروح إلى القلوب من الانصاف ولا أمر من الجور ولا أشنع من الظلم. فالواجب على الملك وعلى ولاة الأمور أن لا يقطع في باب العدل إلا بالكتاب والسنة لأنه يتصرف في ملك الله وعباد الله بشريعة نبيه ورسوله نيابة عن تلك الحضرة ومستخلفا عن ذلك الجناب المقدس ولا يأمن من سطوات ربه وقهره فيما يخالف امره فينبغي أن يحترز عن الجور والمخالفة والظلم والجهل فإنه احوج الناس إلى معرفة العلم واتباع الكتاب والسنة وحفظ قانون الشرع والعدالة فإنه منتصب لمصالح العباد واصلاح البلاد وملتزم بفصل خصوماتهم وقطع النزاع بينهم وهو حامي الشريعة بالإسلام فلا بد من معرفة احكامها والعلم بحلالها وحرامها ليتوصل بذلك إلى ابراء ذمته وضبط مملكته وحفظ رعيته فيجتمع له مصلحة دينه ودنياه وتمتلىء القلوب بمحبته والدعاء له فيكون ذلك اقوم لعمود ملكه وأدوم لبقائه وابلغ الأشياء في حفظ المملكة العدل والانصاف على الرعية.
وقيل لحكيم أيما افضل العدل أم الشجاعة فقال من عدل استغنى عن الشجاعة لأن العدل اقوى جيش وأهنأ عيش.
وقال الفضيل بن عياض النظر إلى وجه الإمام العادل عبادة وإن المقسطين عند الله على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن قال.
1 / 17
سفيان الثوري: "صنفان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدا فسدت الأمة الملوك والعلماء" والملك العادل هو الذي يقضي بكتاب الله ﷿ ويشفق على الرعية شفقة الرجل على أهله.
روى ابن يسار عن أبيه أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما وال ولي من أمر أمتي شيئا فلم ينصح لهم ويجتهد كنصيحته وجهده لنفسه كبه الله على وجهه يوم القيامة في النار".
الرابع أوساط الناس يراعون العدل في معاملاتهم وأروش جناياتهم بالانصاف فهم يكافؤون الحسنة بالحسنة والسيئة بمثلها.
الخامس القائمون بسياسة نفوسهم وتعديل قواهم وضبط جوارحهم وانخراطهم في سلك العدول لأن كل فرد من افراد الإنسان مسؤول عن رعاية رعيته التي هي جوارحه وقواه كما ورد كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته كما قيل: صاحب الدار مسؤول عن أهل بيته وحاشيته. ولا تؤثر عدالة الشخص في غيره ما لم تؤثر أولا في نفسها إذ التأثير في البعيد قبل القريب بعيد. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ دليل على ذلك والإنسان متصف بالخلافة لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ . ولا تصح خلافة الله إلا بطهارة النفس كما أن اشرف العبادات لا تصح إلا بطهارة الجسم فما اقبح بالمرء أن يكون حسن جسمه باعتبار قبح نفسه كما قال حكيم لجاهل صبيح الوجه: أما البيت فحسن وأما ساكنه فقبيح. وطهارة النفس شرط في صحة الخلافة وكمال العبادة ولا يصح نجس النفس لخلافة الله تعالى ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه إلا من كان طاهر النفس قد ازيل رجسه ونجسه. فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة فنجاسة البدن يمكن إدراكها بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة كما اشار له بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ . فان الخلافة هي الطاعة والاقتدار على قدر.
1 / 18
طاقة الإنسان في أكتساب الكمالات النفسية والاجتهاد بالاخلاص في العبودية والتخلق باخلاق الربوبية ومن لم يكن طاهر النفس لم يكن طاهر الفعل. فكل إناء بالذي فيه ينضح. ولهذا قيل: من طابت نفسه طاب عمله ومن خبثت نفسه خبث عمله وقيل: في قوله ﵊: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب" أنه أشار بالبيت إلى القلب وبالكلب إلى النفس الأمارة بالسوء أو إلى الغضب والحرص والحسد وغيرها من الصفات الذميمة الراسخة في النفس ونبه بان نور الله لا يدخل القلب إذا كان فيه ذلك الكلب. وإلى الطهارتين اشار بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ*وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ . وأما الذي تطهر به النفس حتى تصلح للخلافة وتستحق به ثوابه فهو العلم والعبادة الموظفة اللذان هما سبب الحياة.
1 / 19
توضيح.
اعلم أن الإنسان من حيث الصورة التخطيطية كصورة في جدار وإنما فضيلته بالنطق والعلم. ولهذا قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهمة مهملة أو صورة فبقوة العلم والنطق والفهم يضارع الملك وبقوة الأكل والشرب والشهوة والنكاح والغضب يشبه الحيوان. فمن صرف همته كلها إلى تربية القوة الفكرية بالعلم والعمل فقد لحق بافق الملك فيسمى ملكا وربانيا كما قال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ومن صرف همته كلها إلى تربية القوة الشهوانية باتباع اللذات البدنية ياكل كما تأكل الأنعام فحقيق أن يلحق بالبهائم إما غمرا كثور أو شرها كخنزير أو عقور ككلب أو حقودا كجمل أو متكبرا كنمر أو ذا حيلة ومكر كالثحلب أو يجمع ذلك كله فيصير كشيطان مريد وإلى ذلك الأشارة بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وقد يكون كثير من الناس من صورته صورة إنسان وليس هو في الحقيقة إلا كبعض الحيوان قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ .
مثل لبهائم جهلا جل خالقهم ... لهم تصاوير لم يقرن بهن جحا
1 / 20
من نصايح الرشاد لمصالح العباد.
اعلم أن سبب هلاك الملوك اطراح ذوي الفضائل واصطناع ذوي الرذائل والاستفاف بعظة الناصح والاغتزار بتزكية المادح من نظر في العواقب سلم من النوائب وزوال الدول اصطناع السفل ومن استغنى بعقله ضل ومن أكتفى برأيه زل ومن استشار ذوي الألباب سلك سبيل الصواب ومن استعان بذوي العقول فاز بدرك المامول من عدل في سلطانه استغنى عن اعوانه عدل السلطان انفع للرعية من خصب الزمان الملك يبقى على الكفر والعدل ولا يبقى على الجور والإيمان ويقال حق على من ملكه الله على عباده وحكمه في بلاده أن يكون لنفسه مالكا وللهوى تاركا وللغيظ كاظما وللظلم هاضما وللعدل في حالتي الرضي والغضب مظهرا وللحق في السر والعلانية مؤثرا وإذا كان كذلك الزم النفوس طاعته والقلوب محبته واشرق بنور عدله زمانه وكثر على عدوه أنصاره وأعوانه. ولقد صدق من قال:
يا ايها الملك الذي
... بصلاحه صلح الجميع
أنت الزمان فإن عدلت
... فكله أبدا ربيع
وقال عمرو بن العاص ملك عادل خير من مطر وابل من كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه وفناؤه.
موعظة كل محنة إلى زوال وكل نعمة إلى انتقال:
رأيت الدهر مختلفا يدور ... فلا حزن يدوم ولا سرور
1 / 21
وشيدت الملوك به قصورا ... فما بقي الملوك ولا القصور
وقال المأمون:
يبقى الثناء وتنفد الأموال ... ولكل وقت دولة ورجال
من كبرت همته كثرت قيمته. لا تثق الدولة فإنها ظل زائل ولا تعتمد على النعمة فإنها ضيف راحل. فإن الدنيا لا تصفو لشارب ولا تفي لصاحب.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أنصحني فكتب إليه أن الذي يصحبك لا ينصحك والذي ينصحك لا يصحبك. وسأل معاوية الاحنف بن قيس وقال له: كيف الزمان فقال أنت الزمان أن صلحت صلح الزمان وإن فسدت فسد الزمان. آفة الملوك سوء السيرة وآفة الوزراء خبث السريرة وآفة الجند مخالفة القادة وآفة الرعية مخالفة السادة وآفة الرؤساء ضعف السياسة وآفة العلماء حب الرياسة وآفة القضاة شدة الطمع وآفة العدول قلة الورع وآفة القوي استضعاف الخصم وآفة الجريء اضاعة الحزم وآفة المنعم قبح المن وآفة المذنب حسن الظن والخلافة لا يصلحها إلا التقوى والرعية لا يصلحها إلا العدل فمن جارت قضيته ضاعت رعيته ومن ضعفت سياسته بطلت رياسته ويقال شيئان إذا صلح أحدهما صلح الآخر السلطان والرعية.
ومن كلام بعض البلغاء خير الملوك من كفى وكف وعفا وعف.
قال وهب بن منبه: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به ادخل الله النقص في أهل مملكته حتى في التجارات والزراعات وفي كل شيء وإذا هم بالخير أو عمل به ادخل الله البركة على أهل مملكته حتى في التجارات والزراعات وفي كل شيء ويعم البلاد والعباد. ولنقبض عنان العبارات النقلية في أرض الأشارات العقلية المقتطفة من نظم السلوك في مسامرة الملوك وغرر الخصائص وغرر النقائص وهو باب واسع كثير المنافع وملاك
1 / 22