البداية والنهاية
الناشر
مطبعة السعادة
مكان النشر
القاهرة
مناطق
•سوريا
الإمبراطوريات و العصور
المماليك (مصر، سوريا)، ٦٤٨-٦٩٢ / ١٢٥٠-١٥١٧
ذِكْرُ خُرُوجِ الْمُلْكِ عَنِ الْحَبَشَةِ وَرُجُوعِهِ إِلَى سيف ابن ذي يزن الحميري كما أخبر بذلك الكاهنان لربيعة بن نصر اللخمي
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ﵀: فَلَمَّا هَلَكَ أَبْرَهَةُ مَلِكُ الْحَبَشَةِ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى فَلَمَّا هَلَكَ يَكْسُومُ مَلَكَ الْيَمَنَ مِنَ الْحَبَشَةِ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ. قَالَ: فَلَمَّا طَالَ الْبَلَاءُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيُّ وَهُوَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بْنِ ذِي أَصْبَحَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عمرو ابن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شَمْسِ بْنِ وَائِلِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ قَطَنِ بن عريب بن زهير بن أيمن ابن الْهَمَيْسَعِ بْنِ الْعَرَنْجَجِ، وَهُوَ حِمْيَرُ بْنُ سَبَأٍ- وَكَانَ سَيْفٌ يُكَنَّى أَبَا مُرَّةَ- حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ فَشَكَى إِلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ عَنْهُ وَيَلِيَهُمْ هُوَ وَيُخْرِجَ إِلَيْهِمْ مَنْ شَاءَ مِنَ الرُّومِ فَيَكُونُ لَهُ مُلْكُ الْيَمَنِ فَلَمْ يُشْكِهِ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ وَهُوَ عَامِلُ كِسْرَى عَلَى الْحِيرَةِ وَمَا يَلِيَهَا مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَمْرَ الْحَبَشَةِ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ إِنَّ لِي عَلَى كِسْرَى وِفَادَةً فِي كُلِّ عَامٍ فَأَقِمْ عِنْدِي حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ فَفَعَلَ ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ فَأَدْخَلَهُ عَلَى كِسْرَى وَكَانَ كِسْرَى يَجْلِسُ فِي إِيوَانِ مَجْلِسِهِ الَّذِي فِيهِ تَاجُهُ وَكَانَ تَاجُهُ مِثْلَ الْقُنْقُلِ [١] الْعَظِيمِ فيما يزعمون يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُعَلَّقًا بِسِلْسِلَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِي رَأْسِ طَاقَةٍ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ عُنُقُهُ لَا تَحْمِلُ تَاجَهُ إِنَّمَا يَسْتُرُ عَلَيْهِ بِالثِّيَابِ حَتَّى يَجْلِسَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ثُمَّ يُدْخِلُ رَأْسَهُ فِي تَاجِهِ فَاذَا اسْتَوَى فِي مَجْلِسِهِ كَشَفَ عَنْهُ الثِّيَابَ فَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ لَمْ يره قبل ذلك الأبرك هَيْبَةً لَهُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَقَالَ الْمَلِكُ: إِنَّ هَذَا الْأَحْمَقَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ الطَّوِيلِ ثُمَّ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ. فَقِيلَ ذَلِكَ لِسَيْفٍ فَقَالَ إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِهَمِّي لِأَنَّهُ يَضِيقُ عَنْهُ كُلُّ شَيْءٍ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ غَلَبَتْنَا عَلَى بِلَادِنَا الْأَغْرِبَةُ. قَالَ كِسْرَى أَيُّ الْأَغْرِبَةِ الْحَبَشَةُ أَمِ السِّنَدُ قَالَ بَلِ الْحَبَشَةُ فَجِئْتُكَ لِتَنْصُرَنِي وَيَكُونُ مُلْكُ بِلَادِي لَكَ فَقَالَ لَهُ كِسْرَى بَعُدَتْ بِلَادُكَ مَعَ قِلَّةِ خَيْرِهَا فَلَمْ أَكُنْ لِأُوَرِّطَ جَيْشًا مِنْ فَارِسَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، ثُمَّ أَجَازَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَافٍ وَكَسَاهُ كُسْوَةً حَسَنَةً فَلَمَّا قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ سَيْفٌ خَرَجَ فَجَعَلَ يَنْثُرُ تِلْكَ الْوَرِقَ لِلنَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكُ فَقَالَ إِنَّ لِهَذَا لَشَأْنًا ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ فَقَالَ عَمَدْتَ إِلَى حِبَاءِ الملك تنثره للناس قال وما أصنع بحباك مَا جِبَالُ أَرْضِي الَّتِي جِئْتُ مِنْهَا إِلَّا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ يُرَغِّبُهُ فِيهَا، فَجَمَعَ كِسْرَى مَرَازِبَتَهُ فَقَالَ لَهُمْ مَا تَرَوْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ وَمَا جَاءَ لَهُ. فَقَالَ قَائِلٌ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ فِي سُجُونِكَ رِجَالًا قَدْ حَبَسْتَهُمْ لِلْقَتْلِ فَلَوْ أَنَّكَ بَعَثْتَهُمْ مَعَهُ فَإِنْ يَهْلِكُوا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتَ بِهِمْ وَإِنْ ظَفِرُوا كَانَ مُلْكًا ازْدَدْتَهُ، فَبَعَثَ مَعَهُ كِسْرَى مَنْ كان في
[١] القنقل: هو مكيال يسع ثلاثة وثلاثين منا. حكاه السهيليّ.
2 / 177