374

البداية والنهاية

الناشر

مطبعة السعادة

مكان النشر

القاهرة

اللَّهُ فِي قَلْبِهِ وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْتَقِمَ بِهِ مِنْهُمْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَرْمِيَا أَنِّي مُهْلِكٌ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُنْتَقِمٌ مِنْهُمْ فَقُمْ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَأْتِيكَ أَمْرِي وَوَحْيِي فَقَامَ أَرْمِيَا فَشَقَّ ثِيَابَهُ وَجَعَلَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ وَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ يَا رَبِّ وَدِدْتُ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي حِينَ جَعَلْتَنِي آخِرَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ خَرَابُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَوَارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أجلى فقال لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكَى ثُمَّ قال يا رب من تسلط عليهم فقال عَبَدَةُ النِّيرَانِ لَا يَخَافُونَ عِقَابِي وَلَا يَرْجُونَ ثَوَابِي قُمْ يَا أَرْمِيَا فَاسْتَمِعْ وَحْيِي أُخْبِرْكَ خبرك وخبر بنى إسرائيل. من قيل أَنْ أَخْلُقَكَ اخْتَرْتُكَ. وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي رَحِمِ أُمِّكَ قَدَّسْتُكَ وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْرِجَكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ طَهَّرْتُكَ وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ نَبَّأْتُكَ وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ الْأَشُدَّ اخْتَرْتُكَ وَلِأَمْرٍ عَظِيمٍ اجْتَبَيْتُكَ فَقُمْ مَعَ الملك تسدده وترشده فكان مع الملك يسدده وَيَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ حَتَّى عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ وَنَسَوْا مَا نَجَّاهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ عَدَوِّهِمْ سَنْحَارِيبَ وَجُنُودِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَرْمِيَا قُمْ فَاقْصُصْ عَلَيْهِمْ مَا آمُرُكَ بِهِ وَذَكِّرْهُمْ نِعْمَتِي عَلَيْهِمْ وَعَرِّفْهُمْ أَحْدَاثَهُمْ فَقَالَ أَرْمِيَا (يَا رَبِّ إِنِّي ضَعِيفٌ إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي عَاجِزٌ إِنْ لَمْ تُبَلِّغْنِي مُخْطِئٌ إِنْ لَمْ تُسَدِّدْنِي مَخْذُولٌ إِنْ لَمْ تَنْصُرْنِي ذَلِيلٌ إِنْ لَمْ تُعِزَّنِي) فقال الله تعالى (أو لم تَعْلَمْ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا تَصْدُرُ عَنْ مَشِيئَتِي وَأَنَّ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ كُلَّهُ لِي وَأَنَّ الْقُلُوبَ وَالْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا بِيَدِي فَأُقَلِّبُهَا كَيْفَ شِئْتُ فَتُطِيعُنِي فَأَنَا اللَّهُ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ مِثْلِي. قَامَتِ السموات وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ بِكَلِمَتِي. وَأَنَّهُ لَا يَخْلُصُ التَّوْحِيدُ وَلَمْ تَتِمَّ الْقُدْرَةُ إِلَّا لِي وَلَا يَعْلَمُ مَا عِنْدِي غَيْرِي وَأَنَا الَّذِي كَلَّمْتُ الْبِحَارَ فَفَهِمَتْ قَوْلِي وَأَمَرْتُهَا فَفَعَلَتْ أَمْرِي وَحَدَّدْتُ عَلَيْهَا حُدُودًا فَلَا تَعْدُو حَدِّي وَتَأْتِي بِأَمْوَاجٍ كَالْجِبَالِ فَإِذَا بَلَغَتْ حَدِّي أَلْبَسْتُهَا مَذَلَّةً لِطَاعَتِي وَخَوْفًا وَاعْتِرَافًا لِأَمْرِي وَإِنِّي مَعَكَ وَلَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ شَيْءٌ مَعِي وَإِنِّي بَعَثْتُكَ إِلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ مِنْ خَلْقِي لِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالَاتِي فَتَسْتَوْجِبَ لِذَلِكَ أَجْرَ مَنِ اتَّبَعَكَ وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجورهم شَيْئًا انْطَلِقْ إِلَى قَوْمِكَ فَقُمْ فِيهِمْ وَقُلْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَكُمْ بِصَلَاحِ آبَائِكُمْ فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء وكيف وَجَدَ آبَاؤُكُمْ مَغَبَّةَ طَاعَتِي وَكَيْفَ وَجَدْتُمْ مَغَبَّةَ معصيتي وهل وجدوا أحدا عصاني فبعد بِمَعْصِيَتِي وَهَلْ عَلِمُوا أَحَدًا أَطَاعَنِي فَشَقِيَ بِطَاعَتِي إِنَّ الدَّوَابَّ إِذَا ذَكَرَتْ أَوْطَانَهَا الصَّالِحَةَ نَزَعَتْ إِلَيْهَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ رَتَعُوا فِي مُرُوجِ الْهَلَكَةِ وَتَرَكُوا الْأَمْرَ الَّذِي بِهِ أَكْرَمْتُ آبَاءَهُمْ وَابْتَغَوُا الْكَرَامَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا أَمَّا أَحْبَارُهُمْ ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم ويعملون فِيهِمْ بِغَيْرِ كِتَابِي حَتَّى أَجْهَلُوهُمْ أَمْرِي وَأَنْسَوْهُمْ ذكرى وسنتي وعزوهم عَنِّي فَدَانَ لَهُمْ عِبَادِي بِالطَّاعَةِ الَّتِي لَا تنبغي الألى فَهُمْ يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَتِي وَأَمَّا مُلُوكُهُمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ فَبَطَرُوا نِعْمَتِي وَأَمِنُوا مَكْرِي وَغَرَّتْهُمُ الدُّنْيَا حَتَّى نَبَذُوا كِتَابِي وَنَسُوا عَهْدِي فَهُمْ يُحَرِّفُونَ كِتَابِي وَيَفْتَرُونَ عَلَى رُسُلِي جُرْأَةً مِنْهُمْ عَلَيَّ وَغِرَّةً بِي فَسُبْحَانَ جَلَالِي وَعُلُوِّ مَكَانِي وَعَظَمَةِ شَأْنِي هَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِي شَرِيكٌ فِي مُلْكِي وَهَلْ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَتِي وَهَلْ يَنْبَغِي لِي

2 / 35