بيان الشرع
وقد تكلم أهل العلم في هذا المعنى وأكثروا وثبتوا معنى قولهم بالاحتجاج الصحيح، وهو معروف في آثارهم وكل قد قال فيه بما يحتمل جوازه، ألا ترى أن الألفاظ قد تختلف، ولا يختلف المعنى لاختلاف الألفاظ، والألفاظ والاختلاف فرعان: اختلاف تغاير واختلاف تضاد، لا يجوز وليست واحدة والحمد لله، في كل شيء من كتاب الله تعالى، إلا في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ، واختلاف التغاير جائز، وذلك قوله:) وادكر بعد أمة) بضم الألف والتشديد، أي بعد حين، وبعد أمه بفتح الألف والتخفيف وتبيين الهاء، أي بعد نسيان، إلا أنه قد يجوز أن يكون اجتمع المعنيان ليوسف، صلى الله عليه، وكذلك قوله: (إذ تلقونه) بالتخفيف وكسر اللام، وتلقونه بالتشديد وفتح اللام، ولأنه قد يجوز اجتماع المعنيين فيه، لأنهم قبلوه، وقالوا: إنه كذب، وكذلك قوله: (باعد بين أسفارنا) على الخبر وباعد على الدعاء وكذلك قوله: لقد علمت ما أنزل هؤلاء، بفتح الهاء، وعلمت (برفعها) لأن المعنيين صحيحان موجودان وأشباه هذا كثير.
مسألة القرآن دليل بنفسه، وأنه معجز لعجيب نظمه، لا يقدر الخلق على أن يأتوا بمثله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه قوم كانوا هم الغاية في الفصاحة والعلم باللغة، والمعرفة بأجناس الكلام، جيده ورديئه وهم أهل الحمية والأنفة والخيلاء والعصبية، وقرعهم بالعجز أن يأتوا بمثله، ومكنهم من الفحص والبحث والاحتيال، وأمهلهم المدة الطويلة وأعلمهم في إتيانهم بمثل الذي أتى به في حسنه، ما يوجب إحقاقهم وإبطاله، حاشا لله من الباطل، فبذلوا في إطفاء نوره ودحض حجته، أموالهم وأنفسهم، وآباءهم وأبناءهم، ولم يعارضوا ما احتج به عليهم من كتاب ربه بأرجوزة ولا قصيدة، ولا خطبة ولا رسالة، فصح بهذا أنهم لو قدروا على ذلك ما تركوه إلى بذل الأموال والأنفس.
صفحة ٢٠٣