بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية
الناشر
مطبعة الحلبي
الإصدار
بدون طبعة
سنة النشر
١٣٤٨هـ
التَّعْرِيفِ (فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ) شَرْعًا وَعَقْلًا بَلْ مَمْدُوحٍ كَيْفَ لَا وَإِنَّ عَمَلَهُمْ فِي سَاعَةٍ يُعَادِلُ بَلْ يَفُوقُ عَلَى عَمَلِ غَيْرِهِمْ فِي السِّنِينَ وَالْأَيَّامِ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ أَعْلَى النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالْجَائِرِ أَخَسُّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مِنْ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ قَالَ شُرَّاحُ هَذَا الْحَدِيثِ قَدَّمَ الْإِمَامَ الْعَادِلَ لِعُمُومِ نَفْعِهِ وَتَعَدِّيهِ (فَأَيُّ جَاهٍ أَعْظَمُ مِنْ جَاهِ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَ) جَاهِ (الْخُلَفَاءِ) الْأَرْبَعَةِ (الرَّاشِدِينَ) الْمَهْدِيِّينَ الَّذِينَ قَضَوْا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ وَلَا مَقَامَ أَرْفَعُ مِنْ مَقَامَاتِهِمْ وَلَا جَاهَ أَعْظَمُ مِنْ جَاهَاتِهِمْ وَلَا حِرْصٌ وَلَا حُبٌّ لَهُمْ بِذَلِكَ وَمَا رُوِيَ مِنْ طَلَبِ بَعْضِهِمْ إنْ صَحَّ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ فَضْلِهِ الْأُخْرَوِيِّ.
(وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ لِلْكُفْرِ الْجُحُودِيِّ خَوْفُ الذَّمِّ) مِنْ النَّاسِ (وَالتَّعْيِيرِ) مِنْ الْعَارِ يَعْنِي أَنَّ سَبَبَ الْكُفْرِ عِنَادًا قَدْ يَكُونُ خَوْفَ ذَمِّ النَّاسِ وَتَعْيِيرِهِمْ (كَكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ) هُوَ أَبُو الْإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَعَمُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ مَعَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ لَهُ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤْمِنْ لِخَوْفِ ذَمِّ النَّاسِ وَتَعْيِيرِهِمْ إذْ رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا اُحْتُضِرَ أَبُو طَالِبٍ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ يَا عَمِّ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ بِهَا لَك عِنْدَ اللَّهِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي قَدْ عَلِمْت أَنَّك لَصَادِقٌ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ جَزَعَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]» - كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ «جُمِعَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ حِينَ أَيِسُوا مِنْ حَيَاتِهِ فَقَالُوا نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِرِيَاسَتِك وَلَمْ يَكُنْ لَنَا مُخَالَفَةٌ فِي أَمْرٍ مَا لَكِنَّا نَخَافُ بَقَاءَ الْخُصُومَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﵊ بَعْدَك فَانْصَحْ لَهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِدِينِنَا فَدَعَا أَبُو طَالِبٍ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَلَّغَهُ مَا قَالُوا فَلَمْ يُفِدْ ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ بِكَلَامٍ فَهِمَ مِنْهُ ﵊ مَيْلَهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَدَعَاهُ إلَى الْإِيمَانِ فَقَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَوْفُ طَعْنِ الْخَلْقِ لَآمَنْت بِك وَطَيَّبْتُكَ وَقِيلَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَكَلَّمُ لِسَانُهُ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَا يُفْهَمُ لِضَعْفِهِ فَقَرُبَ إلَيْهِ عَبَّاسٌ فَقَالَ آمَنُ بِك» وَعَنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ أَيْضًا كَذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ اُخْتُلِفَ فِي إيمَانِهِ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَاتَ أَبُو طَالِبٍ عَلَى الْكُفْرِ وَيُؤَيِّدُهُ «قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِرَسُولِ اللَّهِ ﵊ إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ فَقَالَ اغْسِلْ فَكَفِّنْ فَادْفِنْ فَلْنَدْعُ لَهُ اللَّهَ تَعَالَى إلَى أَنْ نُمْنَعَ» وَيُرْوَى أَنَّهُ ﵊ اجْتَهَدَ لِدُعَائِهِ أَيَّامًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِهِ وَوَقَفَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَدَعَوْا لِأَقْرِبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى
2 / 55