285

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

وأما شهادتهم لنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهم شهدوا أن ذلك واجب إذا أمكن وقدر عليه، وشهدوا أن نصرة المظلوم فرض والأخذ على يد الظالم فرض إذا أمكن ذلك، ثم اختلفوا بعد ذلك فقال منهم قائلون: لا ندفع الظلم عن أنفسنا ولا عن غيرنا إلا بالقول والكلام، وإن انتهبت أموالنا وانتهكت حرماتنا لم نقاتل بالسلاح وإن كان في ذلك دفع الظلم عنا وعن المسلمين ولكن نترك الظالمين والباغين يبلغون منتهى حاجاتهم منا ومن حرماتنا وأموالنا ثم يمضون سالمين، وقال آخرون: نقاتل وندفع عن أنفسنا وعن حرماتنا وأموالنا بالسلاح وغيره فإن قتلنا رجونا أن نكون شهداء، وإن قتلناهم رجونا أن نكون سعداء؛ فلما شهدوا أن نصرة المظلوم ودفع الظالم والأخذ على يد الظالم فريضة لازمة لمن قدر عليها علمنا أنه لا يخرجنا من هذه الفريضة إلا أداؤها والقيام بها بالسلاح وغيره إذا أمكننا ذلك بما اجتمعوا عليه لنا في أصل شهادتهم ولم نترك ذلك كما تركه الآخرون وهم قادرون؛ فهذا ديننا وحجتنا على من خالفنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع المظالم؛ فمن أقام على هذه الأصول كما أقمنا ودان بها كما دنا وعمل بما استحق الله عليه فيها فهو منا وولينا وأخونا ندعوه إلى ما أجابنا ونجيبه إلى ما دعانا، ومن خالفنا وفارقنا عليها حاججناه بالمحكم من كتاب الله ورددناه إلى المجمع عليه من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن قبل ذلك كان له ما لنا وعليه ما علينا وإن أبى إلا المخالفة للحق والمعاندة للصواب كان الله حسبه وولي أمره والحاكم بيننا وبينه وهو خير الحاكمين، وقد ذكرنا من كتاب الله عز وجل تحقيق ما قلنا وتصديق ما وصفنا.

باب ذكر التوحيد في كتاب الله تبارك وتعالى

ذكر التوحيد في كتابه فقال: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} فأخبر أنه الواحد الأحد الذي ليس بوالد ولا ولد، وأنه ليس له كفوا ولا شبيه في وجه من الوجوه وقال: {هل [76أ] تعلم له سميا} يقول كفوا ونظيرا، وقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وقال: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} فنفى عن نفسه درك الأبصار في كل وقت من أوقات الدنيا والآخرة كما نفى عن نفسه السنة والنوم فقال: {لا تأخذه سنة ولا نوم} كما نفى عن نفسه الظلم في الدنيا والآخرة فقال: {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} وكما نفى عن نفسه أن يكون له شبه في الدنيا والآخرة على كل وجه من الوجوه بقوله: {ليس كمثله شيء} وقال : {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم} فنفى عن نفسه أن يكون في مكان دون مكان؛ لأن من كان في مكان دون مكان فمحدود والله غير محدود، ولا يحيط به شيء، وهو بكل شيء محيط، وقال: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم...}إلى آخر الآية، فبهذه الآيات ونحوها احتججنا على من خالفنا، ومن يشبه الخالق بالمخلوقين، وعلمنا أن الله لا يشبهه شيء في وجه من الوجوه. انتهى كلام الإمام الهادي -عليه السلام.

صفحة ٢٨