259

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

فصل يجب قتالهم -أعني أهل الكتاب- والمجوس إذا امتنعوا عن إعطاء الجزية لشوكتهم ولا أسلموا إسلاما صحيحا لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وإذا قوتلوا للتغلب قتل مقاتلتهم ويبقى غير المقاتلين من النساء والذراري والشيوخ والرهبان لهم حكم الذمة من غير جزية لأنه لا جزية عليهم في الأصل، فلا يسترقون إلا أن يقاتلوا استرق النساء دون الشيوخ إلا أن يكونوا عجما لا كتاب لهم إلا الصغار فلا حكم لقتالهم في نقص ذمتهم لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}(1) إلا أنهم يقتلون مدافعة إذا أصروا، ويجوز سبي النساء إذا قاتلن لانتقاص الذمة بذلك كغير أهل الكتاب، [69ب] ويجوز استرقاق النساء من غير أهل الكتاب والذراري ونساء أهل الكتاب إذا قاتلن لأنهم يصيرون كغيرهم من المشركين فيدخلون تحت قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}(2)، ثم قال تعالى في استرقاقهم {وخذوهم}، وخرج الحر العربي غير كتابي من عموم قوله تعالى: {وخذوهم} بما روى علي عليه السلام أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف، ولقوله تعالى: {يقاتلونهم أو يسلمون} في أهل الردة وفي كفار العرب وأهل الكتاب مشركون لقوله تعالى: {وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون * اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون} فسماهم تعالى مشركين لكن حقن تعالى دماءهم بإعطاء الجزية مع شركهم؛ فإذا تغلبوا لشوكتهم كان لهم حكم مشركي العرب إن كانوا عربا إلا في نسائهم وصبيانهم إذا لم تقاتل النساء فلا يسبين ولا يقتلن ولا الصبيان لا يسترقون مطلقا لما ذكرنا أولا، ويقتل الصبيان مدافعة فإن لم تنفصل النساء والصبيان كان لهم حكم المسلمين المختلطين بالكفار على التفصيل المتقدم لحرمة الذمة، فنحن من ذمتهم على يقين، ولا يجب الانتقال عن اليقين إلا بيقين لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} هذا إذا لم ينتقلوا إلى دار الحرب وكفار الأصل جميعهم ونساء وصبيان؛ فإن انتقلوا وصارت دار حرب لم يفترق الحال أيضا في النساء والصبيان، بل الحكم ما تقدم في الكفار لما قدمنا من الأدلة، ويكون حكم العجم مشركيهم غير أهل الكتاب إن كانوا عجما فيسترق رجالهم ويقتلون، وفي النساء والذراري ما تقدم.

صفحة ٣٤٦