بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله المتفضل على عباده بنهاية الجود والكرم، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم، محمد وآله الواصلين إلى أقصى مقدور البشر في حفظ الشرع الأقوم:

فاني لما رأيت الجم الغفير من أبناء هذا الزمن من شيمتهم قطيعة بعضهم بعضا على وجه يؤدي إلى اختلال بقاء نظام النوع الانساني لأنه انما هو بالتواصل، ورأيت أن الفقهاء المتقدمين رضوان الله عليهم أجمعين لم يوردوا ما يتعلق بالصلة في مصنف يفزع إليه الطالب عند الحاجة، حداني ذلك على أن اكتب رسالة أبين فيها ما ورد من الأوامر الشرعية الواردة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة في صلة الرحم وسائر من يطلب وصله حضا على امتثال ذلك.

صفحة ١٥

فاستخرت الله سبحانه وكتبت ما تيسر من ذلك، ووسمتها ب‍ (أطائب الكلم في بيان صلة الرحم).

ورتبتها على مقدمة ومقالة:

صفحة ١٦

أما المقدمة فالصلة توجب الذكر الجميل في العاجلة ورفيع الدرجات في الأجلة.

ولا ريب أنها من الفروض العينية، حتى قيل إن تركها من الكبائر الموبقة.

والذي يظهر لي أن السر في ذلك أن الاجتماع مطلوب للشارع في بقاء نظام النوع الذي انما يتحصل ببقاء أشخاصه، والقرابة موجبة للمودة والألفة، ولذلك لم يشرع الانكاح الأجانب تحصيلا للألفة المطلوبة للشارع... صلة الرحم سببان يوجبانها، فكان توكها من الذنب العظيم، وقد... الشارع على الترغيب فيها والوعيد على تركها.

وفي عدة مواضع قد حض الله سبحانه في كتابه العزيز عليها،

صفحة ١٧

مثل قوله تعالى: <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي /القرآن-الكريم/0/8" target="_blank" title="سورة العنكبوت: 8">﴿ووصينا الانسان بوالديه حسنا وان جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾</a> (١).

<a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/82" target="_blank" title="سورة البقرة: 82">﴿وبالوالدين احسانا وذي القربى﴾</a> (٢).

<a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/90" target="_blank" title="سورة النحل: 90">﴿ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى﴾</a> (٣).

<a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/215" target="_blank" title="سورة البقرة: 215">﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾</a> (٤).

<a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/180" target="_blank" title="سورة البقرة: 180">﴿الا ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾</a> (٥).

<a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/177" target="_blank" title="سورة البقرة: 177">﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى﴾</a> (٦).

<a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي /القرآن-الكريم/0/22" target="_blank" title="سورة النور: 22">﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى﴾</a> (٧).

<a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/75" target="_blank" title="سورة الأنفال: 75">﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾</a> (٨).

ومن ذلك الامر بالشكر للوالدين في قوله جل ثناؤه <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/14" target="_blank" title="سورة لقمان: 14">﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾</a> (9).

صفحة ١٨

وقد أمر عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله بقوله <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/214" target="_blank" title="سورة الشعراء: 214">﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾</a> (١).

<a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/132" target="_blank" title="سورة طه: 132">﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾</a> (2).

وفي أمره بأمرهم بذلك على الخصوص نظرا إلى أن الأهل أحق بالشفقة ايماء إلى المطلوب.

والسر في البدأة في بعض هذه الآيات بذكر الوالدين: أن حق ذوي القربى كالتابع لحقهما، لتفرع اتصالهم عليهما. ضرورة ان الانسان انما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهما.

وكذا السر في تقديم ذكرهم: انهم أولى بالشفقة، فان القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، فلو لم يحصل شئ من ذلك لكان أشق على القلب وأبلغ في الايلام.

والضرر كلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق أولي الأرحام.

وأما الاخبار الناطقة بذلك:

فمنها ما رواه الثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني في الكافي باسناده عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل (واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام ان

صفحة ١٩

الله كان عليكم رقيبا) (١). قال: فقال هي أرحام الناس، ان الله عز وجل أمر بصلتها وعظمها، ألا ترى انه جعلها منه.

قلت: أراد عليه السلام بالامر بصلتها الامر على سبيل الوجوب، ويلزم منه أن يكون المعنى اتقوا الأرحام أن تقطعوها، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. فعلى هذا يكون الأرحام منصوبا عطفا على اسم الله.

وآخر الآية يجري مجرى الوعد والوعيد والترهيب والترغيب فان الرقيب هو المراقب الذي يحفظ جميع الأفعال، ومن هذه صفته يجب أن يخاف ويرجى.

وروى أيضا الثقة المذكور باسناده عن ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن- الكريم/0/21" target="_blank" title="سورة الرعد : 21">﴿الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾</a> (2) نزلت في رحم آل محمد عليه وعليهم السلام، وقد تكون في قرابتك. ثم قال: ولا تكونن ممن يقول للشئ انه في شئ واحد.

قلت: لعله عليه السلام يشير بذلك إلى أنه لا عبرة بخصوص سبب النزول، وانما العبرة بعموم اللفظ، وحينئذ لا يبعد الاستدلال

صفحة ٢٠

بذلك على الترغيب في صلة مطلق القرابة حتى النائية بسبب الايمان.

وروى أيضا باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

وباسناده عن محمد بن فضيل الصيرفي عن الرضا عليه السلام مثله أيضا.

وباسناده عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أبو ذر رحمه الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: حافتا الصراط (1) يوم القيامة الرحم والأمانة، فإذا مر الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة، وإذا مر الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل ويكبونه في النار (2) وباسناده عن يونس بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أول ناطق من الجوارح يوم القيامة الرحم، تقول: يا رب من وصلني في الدنيا فصل اليوم ما بينك وبينه، ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه.

وروى أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان

صفحة ٢١

باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته.

قال: وفي أمثال هذا الخبر كثرة.

قلت: أراد بذلك أنه بمنزلة التواتر معنى.

وباسناده عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ان أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار، فأيما رجل غضب على رحمه فليمسنه، فان الرحم إذا مستها الرحم استقرت، وانها معلقة بالعرش تنادي: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني .

قلت: لا ينافي ذلك ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا عن أبيه موسى عليهما السلام قال: أخبرني أبي عن آبائه عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الرحم إذا مستها الرحم تحركت واضطربت.

وذلك لان استقرارها من الغضب وزوال سورته عنها انما هو تحرك الدم واضطراب العروق الناشئين من المس المثمرين للرقة.

وروى الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب

صفحة ٢٢

عن السكوني، ورواه أيضا الصدوق في من لا يحضره الفقيه باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصدقة بعشرة، والقرض بثمانية عشر، وصلة الاخوان بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين.

وباسناده عن عبد الله بن عجلان قال: قال لأبي جعفر عليه السلام: اني ربما قسمت الشئ بين أصحابي أصلهم به فكيف أعطيهم؟ قال: اعطهم على الهجر في الدين والفقه والعلم.

ولا خلاف وفي جواز الوصية للرحم، لما فيه من الجمع بين الصدقة والصلة، بل قد ورد النص بجواز الوصية له وان كان كافرا وهو الذي نقله الطبرسي في مجمع البيان عن كثير من العلماء.

ونقل عن أصحابنا أنها جائزة للوالدين والولد، وحجتهم في جوازها للوالدين ما تقدم من الآيات الدال بعضها على ذلك بالنص الصريح، ولهذا يجب أن يخص بها مجموع ما سيأتي من الأدلة الدالة على المنع من صلة كل عدو لله سبحانه بسبب استثناء هذا الفرد منه.

وقد أجمعوا على استحباب اختصاص الرحم بالصدقة الواجبة مع وجود الصفات المقتضية للاستحقاق، لقوله عليه السلام: لا صدقة وذو رحم محتاج.

صفحة ٢٣

ولأن الاعتناء به في نظر الشارع أتم من غيره، ولهذا ورثه وكتب له الوصية عند حضور الموت بتوفير نصيبه في قوله <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/180" target="_blank" title="سورة البقرة: 180">﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾</a> (١)، لما فيها من زيادة الصلة.

وامر الولد الأكبر بوجوب التحمل عن أبيه ما فاته من صلاة وصيام تمكن منه ومات قبل أدائه، واستحباب الحج عنه مع المكنة.

ونهى عن الرجوع فيما وهبه لقريبه ولو بدون التصرف والتعويض، فكان الدفع إليه أولى ، وهو المروي عن الكاظم عليه السلام.

وكذا صدقة التطوع مستحب له، لقوله تعالى <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/0/15" target="_blank" title="سورة البلد: 15">﴿يتيما ذا مقربة﴾</a> (2).

وقال عليه السلام: الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم صدقة وصلة.

صفحة ٢٤