721

مقالات موقع الدرر السنية

الناشر

موقع الدرر السنية dorar.net

القوَّة في الدِّين .. كيف نراها واقعًا في حياتنا
مشهور بن حاتم الحارثي
المتأمل في التاريخ يجدُ أنَّه ما من دينٍ ظهَر وانتشر -سواءً أكان حقًَّا أم باطلًا- إلاَّ كان وراءه فئة تؤمن به، وتعمل له، وتمتثله واقعًا في حياتها؛ ليقوم ذلك الدِّين على أكتافهم، وليكونوا أنموذجًا واضحًا لأتباعه؛ يسترشدون بهم، ويطمئنُّون من جهة تطبيق ذلك الدِّين وتحقيقه.
ولذلك .. عندما أنزل الله ﷿ دينه في هذه الأرض بشرائعه المختلفة، جعل لكلِّ شريعة من الشرائع رسولًا كريمًا يبلِّغ ويكون قدوة، وفئة تؤمن وتعمل وتمتثل؛ لتكون عاملةً على إظهار دينها شيئًا فشيئًا، دالَّةً على صحَّته وإمكان تطبيقه، وتهيئة فئات تحمل همَّ هذا الدِّين والعمل له ..
ولكن .. عندما يدبُّ الضَّعف في تلك الفئة المؤمنة العاملة -على اختلاف أزمانها- سواءً من جهة العلم أو العمل، فإنَّ ذلك الضَّعف ينعكس تلقائيًا على ظهور ذلك الدِّين وأتباعه .. حتى يضمر أو يتلاشى.
وكان من حكمة الله ﷿ أنْ جعل في هذه الأمَّة المحمديَّة، والشريعة الخالدة الأبديَّة، فئة تؤمن بدينه، وتعمل له، وتمتثله واقعًا عمليًا في حياتها ما دام هذا الدِّين في الأرض، لا يعتريهم الضَّعف، ولا يسيطر عليهم اليأس، يقول النبي ﷺ: «لا يزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (١) ..
وقد دلَّ الحديث على أنَّ هذه الطائفة القائمة بأمر الله ﷿ قد تمَّ حفظها من ضرَرَيْن:
أولًا: حفظها من ضرر الخذلان.
وثانيًا: حفظها من ضرر المخالفة.
والفرق بينهما: أنَّ الخذلان ما كان من داخل الصفِّ .. !، والمخالفة ما كان من خارجه (٢)، وهذان هما الخطران المحدقان بكلِّ دين أو مذهب يُراد له الظهور والانتشار ..
وما كان لهذه الطائفة المؤمنة أن تبقى قائمةً بأمر الله ﷿، صامدةً في وجه طوفان المخاطر الداخليَّة والخارجيَّة سوى أنها كانت قويَّةً في دين الله ﷿ أخذًا وعطاءً، تلقيًا وأداءً، علمًا وعملًا، شريعة ونَهْجًا .. هذا هو الأمر الذي حفظها من حَنَق المخالفين، وخَوَر المخذِّلين المرجفين. ولولا تلك القوَّة الدينيَّة وما تُمْليه من وضوحٍ في التصوُّر والاعتقاد، وحزمٍ في التمسُّك والامتثال، وجديَّةٍ في السلوك والعمل ..، لانحلَّت تلك الطائفة عند أدنى مؤامرة أو اعتداء، ولكانت تعيش تشتُّتًا في الأمر، وهوانًا في العزم، ولما بقيت تقوم لله ﷿ بحجَّة ..
ولذا .. لما كان مدار الصُّمود والبقاء على القوَّة في الدِّين، أَمَر الله ﷿ بها أنبياءه وأقوامهم، فقال تعالى لموسى ﵇ (فخذها بقوَّة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) (الأعراف:١٤٥) وقال لبني إسرائيل (خذوا ما آتيناكم بقوَّة) (الأعراف:١٧١)، وَوصَف الله ﷿ بها نبيَّه داود ﵇ فقال: (واذكر عبدنا داود ذا الأيْد) (ص:١٧) أي ذا القوة في الدِّين، بل خاطب الله بها يحيى ﵇ منذ أن كان في المهد صبيًا (يا يحيى خذ الكتاب بقوَّة وآتيناه الحكم صبيا) (مريم:١٢) لينشأ ذلك الصبي وهو ابن ثلاث سنين كما في قول ابن عباس ﵁ (٣) .. على معاني القوَّة والجدِّ والعزم في أخذ الدِّين والتمسُّك به.

(١) رواه البخاري في صحيحه كتاب المناقب، باب "سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر"، (ح٣٣٦٩).
(٢) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ﵀ (٢٨/ ٤١٦).
(٣) انظر: تفسير البغوي (٥/ ١٢١).

2 / 218